قال القُرطُبيُّ في"تفسيره":"قال ابن الجَوْزاء ومجاهدٌ: يُكْتَبُ على الإنسان كلُّ شيءٍ، حتى الأنين في مَرَضِهِ، وقال عِكْرِمَةُ: لا يُكْتَبُ إلا ما يؤجَرُ به، أو يؤزَرُ عليه، وقيل: يُكْتَبُ عليه كلُّ ما يَتكلَّم به، فإذا كان آخر النَّهار - محا عنه ما كان مباحًا؛ نحو: انطلِقْ، اقْعُدْ، كُلْ - مما لا يتعلَّق به أجْرٌ أو وِزْرٌ."
وذكر ابنُ كَثيرٍ: أنَّ ظاهرَ الآية العموم.
وعلى كلا القولين؛ فإنَّ للإنسان أعمالًا كثيرةً ليست من الحسنات ولا من السيِّئات، وهي الأمور المُباحة، ولكنَّه إذا فعلها بنِيَّة التَّقَوِّى على العبادة ونحو ذلك؛ كانت من الحسنات.
وقال ابن عبَّاس كما في"تفسير علي بن أبي طلحة":" {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} ؛ يَكْتُبُ كلَّ ما تَكَلَّمَ به من خيرٍ أو شرٍّ، حتى إنه ليَكْتُبُ قوْلَه:"أكلتُ، شرِبتُ، ذهبتُ، جئتُ، رأيتُ"، حتى إذا كان يوم الخميس عُرِضَ قوْلُه وعملُه؛ فأقُرَّ منه ما كان فيه من خيرٍ أو شرٍّ، وأُلقيَ سائرُهُ، وذلك قوله: {يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ} [الرعد: 39] ".
وذُكِرَ عن الإمام أحمد: أنه كان يئنُّ في مرضه؛ فبلغه عن طاوس أنه قال:"يَكْتُبُ المَلَكُ كلَّ شيءٍ، حتى الأنين". فلم يئن أحمد حتى مات - رحمه الله.
والظَّاهر من الأدلَّة - والعِلْم عند الله:
أنَّ الأعمالَ المباحةَ تُكْتَبُ، ولكنها تُمْحى بعد ذلك؛ فلا يُثابُ عليها العبدُ ولا يُعاقَبُ؛ إلا إذا اقترنتْ بنِيَّةٍ صالحةٍ أو فاسدةٍ؛ فيتحوَّل المباحُ إلى عملٍ صالحٍ يُثابُ عليه، أو فاسدٍ يُعاقبُ عليه؛ كالسَّفر؛ فأصلُه مباحٌ، لا يُثابُ عليه المرءُ ولا يأثمُ، فإن سافَرَ لطلب العلم - مثلًا - أُجِرَ عليه، وإن سافَرَ لقطع الطَّريق أَثِمَ.