وليُعْلَمْ: أن التَّوَسُّعَ في المُباح قد يؤول بصاحبه إلى ما لا يُحْمَدُ منَ المُحرَّم والمكروه؛ لذلك قال الرَّسول - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( مَنْ كان يُؤْمِنُ بالله واليوم الآخِر؛ فَلْيَقُلْ خيرًا أوْ لِيَصْمُتْ ) )الحديث؛ متَّفقٌ عليه عن أبي هريرة. ولذلك قال أهلُ العلم في ضابط المُباح: إنَّه مُباحٌ من جهة الجُزء لا الكلِّ.
قال النَّوَوِيُّ - رحمه الله:"فمعناهُ أنَّه إذا أراد أن يَتَكَلَّمَ: فإن كان ما يَتَكَلَّمُ به خيرًا مُحَقَّقًا يُثاب عليهُ، واجبًا أو مندوبًا - فليَتَكَلَّمْ."
وإن لم يَظْهَرْ له أنَّه خيرٌ يُثابُ عليه؛ فلْيُمْسِكْ عنِ الكلام، سواءٌ ظَهَرَ له أنَّه حرامٌ أو مكروهٌ أو مُباحٌ مُسْتَوِي الطَّرَفَيْن.
فعلى هذا؛ يكون الكلامُ المُباحُ مأمورًا بتَرْكِه، مندوبًا إلى الإمساك عنه؛ مخافةً من انْجِرَارِه إلى المُحرَّم أو المكروه، وهذا يقع في العادة كثيرًا أو غالبًا.
وقد قال الله تعالى:" {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 18] ... وقد نَدَبَ الشَّرْعُ إلى الإمساك عن كثيرٍ من المُباحات؛ لئلا يَنْجَرَّ صاحبُها إلى المحرَّمات أو المكروهات".
وأمَّا كَوْنُ الأعمال المُباحة يكتُبُها كاتبُ السيِّئات، فلا دليلَ عليه غيرَ أنَّ صاحبَ"رَدِّ المحتار على الدُّرِّ المختار"قال:"قلتُ: وفي"تفسير الدِّمْيَاطِيِّ"يَكْتُبُ المُباحُ كاتبُ السيِّئات، ويُمحى يوم القيامة".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"مجموع الفتاوى":"فكَوْنُه يُؤجَرُ على قوْلٍ معيَّنٍ أو يؤزَرُ - يحتاج إلى أن يعرِف الكاتبُ ما أُمِرَ به وما نُهِيَ عنه؛ فلابدَّ في إثبات معرفة الكاتب به إلى نقلٍ."