قال الشيخ الغزالي - رحمه الله:"ولعل أهم ما ورد في هذا الباب ما رواه البخاري مُعَلَّقًا عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( ليكوننّ من أمتي قوم يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف ) ). ومعلقات البخاري يؤخذ بها؛ لأنها - في الغالب - مُتَّصِلَةُ الأسانيد، لكن ابن حزم يقول: إن السند هنا منقطع، ولم يتصل ما بين البخاري وصدقة بن خالد راوي الحديث. نقول؛ ولعل البخاري يقصد أجزاء الصورة كلها، أعني جملة الحفل الذي يضم الخمر والغناء والفسوق، وهذا مُحَرَّمٌ بإجماع المسلمين". اهـ
فهذا حاصل ما اعتمد عليه الشيخ في هذه المسألة، على ما وجدناه في كتابه"السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث".
والجواب عن ذلك من وجوه:
الوجه الأول: أن قوله إن الأصل في الأشياء الإباحة صحيح، ولكن قد ورد ما يوجب الخروج عن هذا الأصل وينقل عنه.
الوجه الثاني: أن حديث أبي مالك الأشعري - رضي الله عنه - صحيح؛ فقد رواه البخاري مُعَلَّقًا بصيغة الجزم، وهو إمام الدنيا، فما دام جزم بسماعه فلابد أن يكون سمعه؛ وهو نصٌّ في تحريم المعازف وإعلال أبي محمد بن حزم له، ثم تقليد الغزالي له غير صحيح؛ لأن أبا محمد، إن كان حافظًا للحديث، إلا أنه لم تكن عنده مَلَكَةُ المحدثين والحفاظ في النقد، فضلًا عن أنه كان متشدِّدًا جدًا في التضعيف وتجهيل الرواة كما بينه الحافظ الذهبي وابن حجر وأبو الأشبال أحمد شاكر في تعليقاته على المحلى.