قال النَّوَوِيُّ في"المجموع":"اتَّفَقَتْ نصوصُ الشَّافعيِّ في"الأُمِّ"و"المختصَر"، والأصحابُ على أنَّه يُسْتَحَبُّ لأقرباء الميِّت وجيرانه أن يعْمَلُوا طعامًا لأهل الميِّت، ويكونُ بحيث يُشْبِعَهُم في يومِهِمْ وليلَتِهِمْ. قال الشَّافعيُّ في"المختصَر": وأُحبُّ لقَرَابَة الميِّت وجيرانه أن يعْمَلُوا لأهل الميِّت في يومِهِمْ وليلَتِهِمْ طعامًا يُشْبِعُهُمْ؛ فإنَّه سُنَّةٌ، وفِعْلُ أهل الخير".
أما حديثُ عائشةَ زوجِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم: أنَّها كانت إذا ماتَ الميِّتُ من أهلها فاجتمع لذلك النِّساء، ثم تفرَّقْنَ، إلا أهلَها وخاصَّتَها، أمرَتْ ببُرْمَة من تَلْبِينةٍ فطُبِخَتْ، ثم صُنِعَ ثريدٌ فصُبَّتْ التَّلْبِينَةُ عليها، ثم قالتْ: كُلْنَ منها؛ فإنِّي سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقولُ:"التَّلْبِينَةُ مُجِمَّةٌ لفؤاد المريض، تذهبُ ببعضِ الحُزْن )) ؛ فالظَّاهرُ من الحديث أنَّهُ كانت تصنعُها لأهل الميِّت خاصَّةً، وليس للمُعزِّين."
وأيضًا: فيه دليلٌ على مشروعيَّة صُنْع أهل البيت طعامًا لأنْفُسِهم وخاصَّتِهِمْ، إن لم يصنعْ لهم جيرانُهُم، فلا خلاص لهم إلا أن يصنعوا لأنفُسِهِمْ.
وفيه: استحبابُ عَمَلِ التَّلْبِينَة لخاصيَّةٍ فيها، وهي كونها"تذهبُ ببعضِ الحُزْن".
ثمَّ إنَّ الحديثَ حكايةُ حالٍ لا عمومَ لها - كما هو معلومٌ في الأصول - ويدخُلُهَا من الاحتمال ما لا يدخلُ القولَ؛ فيُحْتَمَلُ إن يكونَ النِّسْوَةُ قد اجتمعْنَ من أجل إعانتها فيما يتعلَّقُ بأمر المتوفَّى؛ من تجهيزه وتغسيله وتكفينه، وإعدادِ ما يُحتاجُ إليه من الكافور والسِّدْر، أو استدعاءِ مَنْ يُغَسِّلُهُ إذا كان رجلًا، أو تغسيله إن كان المتوفَّى امرأةً.. ونحو ذلك، لا أنَّهنَّ اجتمعْنَ للتَّعزِية، ويُحْتَمَلُ أنه يُسْتَثْنَي الأهلُ والخاصَّةُ.
أما ما يقصِدُه الشَّيخُ بالبِدَع: