هذا، وإنَّ خَطَرَ الفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ لا يَقْتَصِرُ على صَاحِبِهِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ إلى باقي المُجْتمع فَيُفْسِدُه ويُضِلُّه عَنْ دِينِ اللَّه تَعَالَى، وهُنَا يَكُونُ الخَطَر الأعظم والإثم الأكبر؛ لأَنَّ المَعْصِيَةَ المُتَعَدِّيَةَ أَعْظَمُ مِنَ المَعْصِيَةِ القاصِرَةِ، وإنَّ مَنْ أفتى بغير علم فَإِنَّ كُلَّ ما يَتَرَتَّبُ على فتواه من مُخالفة الشرع، فإنَّهُ يتحمَّلُ وِزْرَهَا؛ لِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: (( مَنْ أُفْتِيَ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ إِثْمُهُ على مَنْ أَفْتَاهُ ) )؛ رواهُ أبُو دَاوُدَ والحاكِمُ، وَحَسَّنَهُ الألبانِيُّ.
وأخذ الفَتْوَى ممَّن يُفْتِي بغير علم، هو سَبَبُ الجَهْلِ والضَّلال، وافتراء على الله، والفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ مِنْ أَكْبَرِ الكَبَائِرِ وَأَعْظَمِ الذُّنُوبِ، وَلَقَدْ جَعَلَه اللَّهُ قَرِين الشِّرْكِ به، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33. وقال سبحانه أيضًا: {وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ} [النحل: 116] .
فالداعي إلى الله لا بُدَّ أن يَكونَ على عِلْمٍ وبَصِيرةٍ، كما قال تَعَالَى: {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [يوسف: 108] . وإذا دعا الرجل بِلا عِلْمٍ أَفْسَدَ عَقَائِدَ النَّاسِ وَدِينَهُمْ.