وإذا كان ذلك كذلك، فإن كان مُراد القائل بالمقتضى الحضاري للشهادتين يعني بهما ما عناه غير واحد من المفكرين الغربيين، وبعضُ الكُتَّاب المسلمين من الأفكار والمشاعر والأنظمة الّتي تصوغ طريقةَ العيش في مجتمعٍ من المجتمعات، فهو يندرج تحت المقتضَى العقدي، والسلوكي اللذين قدمنا ذِكْرَهُما في الجواب، ومن الخطأ أن يفصل بين هذا المقتضى وبينهما.
وإن كان المراد بها نموّ فروع المعرفة وتقدُّم سبل السيطرة على القوى الطبيعيّة، ذلك التقدُّم المتماسك الّذي له نظام منتظم ينتقل من شعب إلى آخر كما عرفها بعض المفكرين الغربيين، فهذا مما يندرج تحت المقتضيات العقدية أيضًا؛ لأن الإيمان بعقيدة القضاء والقدر على مفهومها الصحيح، وعدم التواكل مما يدفع المسلم دفعًا لتحصيل أسباب التقدم المدني الذي ينتفع به المجتمع الإسلامي، كالسعي في تحصيل القوة العسكرية، وإتقان العلوم الطبية، وغيرها، والذي أوضح فقهاء المسلمين أنَّ حكمه الشرعي هو أنه فرض كفاية، إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن بقيتهم، وإن لم يقم به البعض أثمت الأمة بترك السعي في تحصيله، لما يترتب على ترك السعي في تحصيله من ضعف للمسلمين، واحتياجٍ للاستعانة بالكفار الذين لا يرقبون في المسلمين إلاًّ ولا ذمة في الأمور التي لا تصلح المجتمعات بدونها،، والله أعلم.