فإذا شهِد شاهد ليلة الثلاثين من شعبان أنَّه رآه بمكان من الأمكنة، قريبٍ أو بعيدٍ؛ وَجَب الصوم، وكذلك إذا شهِد بالرؤية نَهارَ تلك اللَّيلة إلى الغروب؛ فعليهم إمساك ما بَقِي، سواءٌ كان من إقليم أو إقليمَيْن، والاعتبارُ بِبُلوغِ العِلمِ بالرُّؤية في وقتٍ يفيد"."
وقال أيضًا:"فالضَّابط أنَّ مَدار هذا الأمر على البُلوغ؛ لقوله - صلَّى الله عليه وسلَّم: (( صوموا لِرُؤيَته ) )؛ فمن بَلَغه أنَّه رُئِي؛ ثَبَت في حقِّه من غير تَحديدٍ بِمسافةٍ أصلًا، وهذا يُطابِق ما ذَكَره ابنُ عبد البَرِّ: في أنَّ طَرَفي المعمورة لا يبلُغ الخبَرُ فيهما إلا بعد شهر؛ فلا فائدة فيه، بخلاف الأماكن الذي يَصِل الخبَرُ فيها قبل انسلاخ الشهر؛ فإنَّها مَحَلُّ الاعتبار."
فتَدَبَّر هذه المسائل الأربعة: وجوب الصَّوم والإمساك ووُجوبُ القضاء، ووُجوبُ بناء العيد على تلك الرُّؤية، ورُؤية البعيد، والبلاغُ في وقتٍ بعدَ انقضاء العِبادة. ولهذا قالوا:"إذا أخطأ الناس كلُّهم فوقفوا في غير يوم عرفة أجزأهم اعتبارًا بالبُلوغ، وإذا أخطأه طائفة منهم لم يُجزِئهم؛ لإمكان البُلوغ؛ فالبُلوغ هو المُعتَبَر، سواء كان عُلِم به للبُعْد أو للقلَّة؛ فإنَّه لا وُجوب إلاَّ مِن حين الإهلال والرُّؤية، لا مِن حين الطُّلوع، ولأنَّ الإجماع الذي حَكاه ابنُ عبد البَرِّ يدُلُّ على هذا؛ لأنَّ ما ذَكَره: إذا لم يَبلُغ الخبرُ إلا بعد مُضيِّ الشهر لم يَبقَ فيه فائدة إلاَّ وُجوبُ القضاء، فعُلِم أنَّ القضاء لا يجب برؤيةٍ بعيدةٍ مُطلقًا."