فتَلخَّص: أنه من بلغه رؤية الهلال في الوقت الذي يُؤدِّي بتلك الرؤية الصومَ أو الفِطرَ أو النُّسُكَ - وجب اعتبارُ ذلك بلا شك، والنُّصوص وآثار السَّلف تَدُلُّ على ذلك. ومن حدَّد ذلك بمسافة قصر أو إقليم؛ فقوله مخالِفٌ للعقل والشَّرْع. ومَن لم يبلُغه إلاَّ بعد الأداء، وهو ممَّا لا يُقضى؛ كالعيد المفعول والنُّسُك - فهذا لا تأثير له، وعليه الإجماع الذي حكاه ابن عبد البرِّ"."
ثم قال:"فهذا متوسطٌ في المسألة، وما من قولٍ سواه إلاَّ وله لوازم شنيعة، لاسيَّما مَن قال بالتَّعدُّد؛ فإنَّه يلزمُه في المناسك ما يُعلَم به خلافُ دين الإسلام؛ إذ رأى بعضُ الوفود أو كلُّهم الهلال وقدِموا مكَّة، ولم يكن قد رُئي قريبًا مِن مكَّة، ولما ذكرناه مِن فساده صار متنوِّعًا، والذي ذكرناه يَحصُل به الاجتماع الشَّرعي؛ كلُّ قوم على ما أمكنهم الاجتماع عليه، وإذا خالفهم مَن لم يَشعُروا بمخالفته لانفراده مِن الشعور بما ليس عندهم لم يَضُر هذا، وإنَّما الشأن مِن الشُّعور بالفُرقة والاختلاف". اهـ.
وذهب آخَرون إلى اعتبار اختلاف المَطالع، وإنَّه لا يلزم أهل بلد رُؤية غيرها من البلاد، وهو وجهٌ عند الشَّافعيَّة؛ وتمسَّكوا بحديث كُرَيب الذي رواه الجماعة إلاَّ البخاري وابن ماجه: أنَّ أمَّ الفضل بعثته إلى معاوية بالشام، فقال:"فقدِمتُ الشَّامَ فَقَضيتُ حاجتها، واستهلَّ عليَّ رمضان وأنا بالشام؛ فرأيت الهلال ليلةَ الجُمُعة، ثم قدِمت المدينة في آخِر الشَّهر، فسألني عبدالله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال:"متى رأيتم الهلال؟"فقلت: رأيناه ليلة الجُمُعة، فقال:"أنت رأيتَه؟!"فقلتُ: نعم، ورآه الناس وصاموا وصام معاوية! فقال:"لكنَّا رأيناه ليلة السبت؛ فلا نزال نصوم حتى نُكمِل ثلاثين أو نراه". فقلتُ: ألا تَكتفي برؤية معاوية وصيامِه؟ فقال:"لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم -"."