فهرس الكتاب

الصفحة 995 من 4864

وعِلْمُ اللَّه السابقُ بِحال هذا الإنسان ومصيرِه، وإعطاؤُه القدرة على العمل، وكونُه قد كتب مقادير العباد: لا يَعنِي أنَّ الله يُكره العباد على فعل المعاصي والسيئات، وإنما معناه أن الله تعالى عَلِمَ في الأزل ما هم عاملون قبل أن يخلقهم، ثُمَّ أعطاهم مشيئةً وقُدْرة وإرادة، فمن عصى الله فقد عصاه بمشيئته واختياره، وخالف أمْرَهُ تَعالى بِفِعْله وإرادته فاستحقَّ العقاب، ولا يقبل منه الاحتجاجُ بالقدر؛ لأن لو كان الاحتجاج بالقدر صحيحًا لما كان هناك فائدةٌ من بعثة الرسل وإنزال الكتب، طالما أن كل إنسان مجبور على فعل ما يفعل، ولكان للعباد حجة على ربهم، حيثُ سيحتجّون على الله - جلَّ وعلا - في عدم إجابتهم الرسل بقولهم: أمرتنا بالإيمان وأجبرتنا على الكفر، فكيف تحاسبنا على ما أجبرتنا عليه.

وأيضًا لو كان الاحتجاج به صحيحًا لاحتجَّ به أهل النار عندما سئلوا: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ} فَأجابُوا: {لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ} [المدثر: 42 - 46] فلو كان الاحتجاج بالقدر صحيحًا، لقال أهل النار أجبرنا الله على فعل الكفر ثم عاقبنا عليه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في"منهاج السنة":"فإن الاحتجاج بالقدر باطل باتفاق أهل الملل وذوي العقول، وإنَّما يَحتجّ به على القبائح والمظالم مَنْ هو متناقض القول متبع لهواه، كما قال بعض العلماء: أنت عند الطاعة قدري وعند المعصية جبري، أي مذهب وافق هواك تَمَذهبت به، ولو كان القدر حُجة لفاعل الفواحش والمظالم لم يحسن أن يلوم أحد أحدًا ولا يعاقب أحد أحدًا، فكان للإنسان أن يفعل في دم غيره وماله وأهله ما يشتهيه من المظالم والقبائح ويحتجَّ بأنَّ ذلك مقدَّر عليه. انتهى."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت