فهرس الكتاب

الصفحة 1000 من 4864

أمَّا طريقُ البيان فإنَّنا نقول: كُلّنا يجهل ماذا قدَّر اللَّه له، قال الله تعالى: {وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ} [لقمان: 34] فالإنسان حينما يقدم على العمل يقدم عليه باختيارٍ منه، ليس عن علم بأن الله قدره عليه وأرغمه عليه، ولهذا قال بعض العلماء: إنَّ القَدَرَ سِرٌّ مَكْتُوم. ونحن جميعًا لا نعلم أنَّ الله قدَّر كذا حتَّى يقع ذلك العمل، فنحن إذًا حينما نُقْدِم على العمل لا نُقْدِم عليه على أساسِ أنه كتب لنا أو علينا، وإنما نقدم عليه باختيار، وحينَما يقع نعلم أنَّ اللَّهَ قدَّره عليْنا، ولذلك لا يقع احتجاجُ الإنسان بالقدر إلا بعد وقوع العمل، ولكنَّه لا حُجَّة له بذلك. ويُذْكَرُ عن أمير المؤمنين عُمَرَ قصةٌ - قد تصح عنه وقد لا تصحّ - رُفِعَ إليه سارقٌ تَمَّت شروط القطع في سرقته، فلمَّا أَمَرَ أميرُ المُؤْمِنينَ بِقَطْعِ يَدِه قال: مهلًا يا أمير المؤمنين، والله ما سرقتُ ذلك إلا بقدر الله. قال له: ونحن لا نقطع يدك إلا بقدر الله. فاحتجَّ عليه أمير المؤمنين بما احتجَّ به هو على سرقتِه من أموال المسلمين، مع أنَّ عمر يُمْكِنه أن يحتجَّ عليه بالقدر والشرع، لأنَّه مأمورٌ بقطع يده، أمَّا ذاك فلا يمكن أن يحتجَّ إلا بالقدر إن صحَّ أن يحتجَّ به.

وعلى هذا فإنه لا يمكن لأي أحد أن يحتجَّ بالقدر على معصية الله، وإنَّه في الواقع لا حُجَّة فيه يقول الله عز وجل: {رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 165] . مع أنَّ ما يعمله الناس بعد الرسل هو بقدر الله، ولو كان القدر حُجَّة ما زالتْ بإرسال الرسل أبدًا، بِهذا يتبيَّن لنا أثرًا ونظرًا أنَّه لا حُجَّة لِلعاصِي بِقَضاءِ الله وقَدَرِه، لأنَّه لم يُجْبَر على ذلك. انتهى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت