وقال في موضع آخر: ولكن قد يقول قائل كما قال السائل: كيف يعذبون وقد كتب الله عليهم ذلك في الأزل؟
فنقول:"إنَّهم يُعَذَّبون لأنَّهم قَدْ قامَتْ عليهم الحجة وبُيِّنَ لهم الطريق، فأرسلت إليهم الرسل، وأنزلت الكتب، وبين الهدى من الضلال ورُغبوا في سلوك طريق الهدى، وحُذّروا من سلوك طريق الضلال، ولهم عقول ولهم إرادات، ولهم اختياراتٌ، ولِهذا نجد هؤلاء الكفار وغيرهم أيضًا يَسْعَوْنَ إلى مصالح الدنيا بإرادةٍ واخْتِيار، ولا نجد أحدًا مِنْهُم يَسعى إلى شيءٍ يَضُرُّه في دنياه أو يتهاوَنُ ويتكاسَلُ في أمر نافع له، ثم يقول: إنَّ هذا مَكْتُوبٌ عليَّ أبدًا؛ فكل يسعى إلى ما فيه المنفعة، فكان عليهم أن يسعَوْا إلى ما فيه منفعة أمور دينهم كما يسعون إلى ما فيه المنفعة في أمور دنياهم، ولا فرق بينهما."
ثم نقول: هذا الكافر حين أقدم على الكفر لا يشعر أبدًا أنَّ أحدا أكرهه، بل هو يشعر أنه فعل ذلك بإرادته واختياره، فهل كان حين إقدامه على الكفر عالمًا بِما كتب الله له؟ والجواب: لا، لأنَّنا نحن لا نعلم أنَّ الشيء مقدَّر علينا إلا بعد أن يقع، أما قبل أن يقع فإننا لا نعلم ماذا كتب لأنه من علم الغيب"انتهى باختصار."