وقال البُهُوتِي - الحنبليُّ - في"كشَّاف القِناع"، عن حكم هذا الاجتماع:"نَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمد: هو من أفعال الجاهليَّة. وأَنْكَرَ شديدًا ... (ويكرهُ الأكلُ من طعامهم. قالهُ في"النَّظْم". وإن كان من التَّركة وفي الوَرَثَةِ محجورٌ عليه) ، أو مَنْ لم يأذنْ (حَرُمَ فعلُهُ) ، وحَرُمَ (الأكلُ منه) ؛ لأنَّه تصرُّفٌ في مال المحجور عليه، أو مال الغَيْر بغير إذنه". انتهى.
والحاصلُ:
أنَّ التجمُّعَ أو عملَ المآتم أو الولائم بمناسبة الوفاة لا يجوزُ؛ لأنَّه من البِدَع والمُحْدَثَات التي أَحْدَثَهَا النَّاسُ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحَابِه والسَّلَفِ الصَّالح، وهو مِنَ النِّياحة وتعظيم المُصيبة.
ففي"الصَّحيحَيْن"وغيرهما: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: (( مَنْ أَحْدَثَ في أمرنا هذا ما ليس منهُ؛ فهو رَدٌّ ) ). وفي روايةٍ: (( مَنْ عَمِلَ عملًا ليس عليه أمرُنا؛ فهو رَدٌّ ) ).
وعن جَرِير بن عبدالله البَجَلِي - رضيَ اللهُ عنه - قال:"كنَّا نَعُدُّ الاجتماعَ إلى أهل الميِّت وصُنْعَةَ الطَّعامِ من النِّياحة"؛ رواهُ أحمدُ وابنُ ماجه، وصحَّحهُ النَّوويُّ والشَّوْكانيُّ والألبانيُّ - رحمهمُ اللهُ.
وفي"مصنَّف ابن أبي شَيْبَة":"أنَّ جَرِيرًا قَدِمَ على عمرَ، فقال: هل يُناحُ قِبَلَكُم على الميِّت؟ قال: لا. قال: فهل تَجتمعُ النِّساءَ عندكم، ويُطْعَمُ الطَّعامَ؟ قال: نعم. فقال: تلك النِّياحةُ"
هذا؛ والأحاديث ونصوصُ العلماء لم تفرِّقْ في المَنْع من الاجتماع بين قريبٍ وغيرِهِ، ولكنْ إذا كان في بقاء بعض الأقارب عند أهل الميِّت فائدةٌ محقَّقةٌ، كمُوَاساتِهم، وشَدِّ أَزْرِهم، وحَسِّهم على الصَّبر، وتَسْلِيَتِهم، وما شابه ذلك؛ فحَسَنٌ، ولكنْ على وجهٍ ضيِّقٍ، ولا تُفْتَحُ الأبوابَ.