في حكمة تحريم الخمر في الدنيا وتحليلها في الآخرة:
يتحدث الله ـ سبحانه، وتعالى ـ في أكثر من آية في القرآن الكريم، عن نعيم أهل الجنة. ومن نعيمهم الحسي، تناول شراب الخمر، وكما أن في الجنة أنهارًا من لبن، ومن عسل، فإن فيها أنهارًا من خمر، يقول ـ سبحانه ـ: (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) .
أما تناولهم هذا الشراب، فإن الله ـ تعالى ـ يصفه بقوله: (يُطافُ عليهم بِكَأْسٍ مِن مَعِينٍ. بَيْضاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ. لَا فِيها غَوْلٌ ولا همْ عنها يُنْزَفُونَ) .
والغول: الضرر والصُّداع، والله ـ سبحانه، وتعالى ـ ينفي عن خمر الآخرة ذلك، وأما كلمة يُنْزَفُون التي نفاها القرآن الكريم عن شارب الخمر في الجنة، فمن معانيها:
إذهاب العقل، يُقال: نَزِفت الخمر عقلَه بالسكر، أي أذهبتْه، والخمر ـ إذن ـ في الآخرة لا تُذهِب العقل، وخمر الآخرة لا ضرَر فيها ولا سكر، وهذان الأمران هما السبب الذي من أجله حُرِّمت الخمر في الدنيا.
ولقد سُمِّيت الخمر من أجل هذين الأمرين"أم الخبائث"، ولقد حرَّمها بعض العرب في الجاهلية على أنفسهم؛ لأنها تقود الإنسان إلى كل خبيث، وكان ممَّن حرَّمها عبد المطلب جد النبي، صلى الله عليه وسلم.
ولقد لعنها الله ـ سبحانه، وتعالى ـ في الدنيا في نفسها كمادة سائلة، ولعنها في شاربها، ولعنها في عاصرها، ولعنها في معتصرها، ولعنها في حاملها، ولعنها في المُتَّجِر فيها.
لقد لعنها الله ـ سبحانه، وتعالى ـ في جميع ظروفها ومُلابساتها، وقال ـ سبحانه ـ: (إنما الخمرُ والميسرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسٌ مِنْ عملِ الشيطانِ فاجتَنِبوهُ لعلَّكم تُفلحونَ) .