في خُلُق الداعية
تحدثتُ عدَّة مرات عن خُلق الداعية، وكنتُ كل مرة أُبَيِّنُ أن العُنْفَ في القول، وأن القسْوَة في التعبير، وأن الإساءة إلى الناس ـ مَيِّتِينَ أو أحياء ـ لا يتناسبُ مع قول الله ـ تعالى ـ: (ادْعُ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وجَادِلْهُمْ بالتِي هِيَ أحْسَنُ) .
وكنتُ أُبَيِّنُ أن الرِّفْق في القول، واستعمال الحِكْمة، والأخذ في المَوْعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن مِن خُلُق الإسلام الحميدة، ومِن وسائل النجاح في الدعوة.
وكنتُ أضرب الأمثلة على ذلك ومِن تلك الأمثلة:
أنَّ واعظًا ذهب يَعِظُ المأمون فكان عنيفًا في الأسلوب، قاسيًا في التعبير، فقال له المأمون: يا هذا إن الله ـ تعالى ـ قد أرسل مَن هُمَا خيرٌ مِنْكَ، وهما موسى وهارون ـ عليهما السلام ـ إلى مَن هو شَرٌّ مِنِّي، وهو فرعون، فبماذا نَصَحَهما ـ سبحانه؟ إنه ـ تعالى ـ قال لهما: (فَقُولَا لَهُ قولًا لَيِّنًا لعلَّهُ يتَذكَّرُ أو يَخْشَى) .
لقد وَعَظَهُ المأمون ووقف منه موقفَ المُرشد مُتَتَبِّعًا التعاليمَ الإسلامية. ولقد ذكرتُ كمثال أيضًا: أن الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ كان يُصلِّي الصبْح في يوم مِن الأيام بالقُرْبِ مِن ضريحِ الإمام أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ ومذهب الإمام الشافعي القُنُوت في الصُّبْح، ومذهب الإمام أبي حنيفة القنوت في الوِتْر، فترك الإمام الشافعي مذْهبه، وهو القنوت في الصبح آخِذًا بمَذهب أبي حنيفة في ترْك القنوت في صلاة الصبح، وترْك القنوت لا يُبطل الصلاة، وما دام الأئِمَّة قد اختلفوا في الصلاة التي يُترك فيها القنوت وفي الصلاة، التي يَقْنتُ فيها الإنسان، فَلا ضَيْرَ على مسلم في أن يَتَّبِع مذهبًا منها، وليس في هذا مُجاملة في الصلاة، فلم يترك الإمام الشافعي رُكْنًا مِن أركانها، ولا وَاجِبًا مِن واجباتها.