في شروطُ قبول التوبة ردُّ الحقوق لأصحابها
فما الحكمُ إذا كان صاحبَ الحق قد مات؟
إن الله سبحانه وتعالى أمر بالتوبة، وحَثَّ عليها الرسولُ ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأجمعت الأمة على وجوبها على كل مسلم ومسلمة، فقال سبحانه وتعالى: (وتوبوا إلى اللهِ جميعًا أيها المؤمنون لعلكم تُفلحون) وعن الأغَرِّ بن يسار، رضي الله عنه، فيما رواه الإمام مسلم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يأيها الناس توبوا إلى الله واستغفِروه، فإني أتوبُ في اليوم مائةَ مرة". وقد استعمل القرآن واستعملت السنة الشريفة مختَلَفَ الأساليب المؤثِّرة، وذلك لقيادة النفوس إلى الله بالتوبة، مفتاحِ كل خير واللَّبِنَةِ الأولى في طريق الله. ولا ريب أن التوبة المتحدَّثَ عنها إنما هي التوبة الخالصة النصوح، توبة تنبعث من قلب تفجَّرت فيه ينابيع الهداية فاتجه إلى الله في إخلاص مستغفِرًا منيبًا.
والتوبة من هذا النوع تَستَتبِعُ حتمًا ردَّ الحقوق بقدر الاستطاعة، إنها تَفي أن يَبرَأَ التائب من الحقوق التي عليه. فإن كانت مالًا أو نحوَه رَدَّه إلى صاحبه، وإن كانت حَدَّ خلافٍ ونحوَه مَكَّنَه منه أو طَلَبَ عَفوَه، وإن كانت غِيبةً استَحلَّه منها. أما إذا استحال رَدُّ الحقوق أو كان أشبَهَ بالمستحيل بالنسبة للتائب فإن اللهَ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، فإذا بذَل التائب جهدَه في رد الحق ثم لم يتمكن مِن ردِّه فقد أبرأ ذمتَه أمام الله سبحانه وتعالى، وفى هذه الحالة نرجو الله أن يتقبل توبته وأن يتجاوز عما استحال تحقيقُه.