فهرس الكتاب

الصفحة 1306 من 1350

في الإسلام والحضارة الحديثة وفكْرة التطور

موضوع الدِّين والحضارة يَستدعيني أن أقول في المَبدأ: إنني مهما تحدثتُ عن الحضارة بإجلالٍ أو بتحقير، ومهما تكلمتُ عنها بنقْدٍ أو تحليل، فإن الدين ـ على وجه العموم ـ لا يُعارض أبدًا التقدم العلميَّ لإسعاد الإنسانية، لا يُعارض التقدم الصناعيَّ لإسعاد الإنسانية، لا يُعارض الناحية العلْمية على أيَّةِ صورة كانت ما دام الأمر يتعلق بإسعاد الإنسانية، وإذا كانت هذه القضية مَفروغًا منها، فإني أتَّجِهُ لتصوير نشأة الحضارة.

نشأة الحضارة:

الحضارة نشأتْ في فترةٍ مُعينة مِن التاريخ، وفي زمن مُحدَّد نعلم ابتداء، ونعلم العوامل التي أنشأتْها، والتي كانت الأساس في هذه النشأة.

وكلنا يَعلم أنه في فترة مِن الفترات، كانت الكنيسة مُسيطرة على العالَم الأوربي سيطرةً تامة، ما كان هناك شيء يُفعل، أو شيء يَنتهي فيه الأمر.

ولا شيء يُقام أو يُهدم، وما كان إنسان يُقدم على أمر أو يَحجم عن أمر إلا باستئذان الكنيسة، وباستئذان رجال الدين، ولكن الكنيسة ورجال الدين تَعَسَّفُوا في استعمال سُلطتهم حتى لقد أنشئوا مَحاكم التفتيش، وقد كتب الأوروبيون المسيحيون عن مَحاكم التفتيش كثيرًا، وصوَّرُوها في أبشع مَظاهرها، وفي أسوأ صُورها: كتب الكاثوليك والبروتستانت، وكتب الفرنسيون، وكتب الإنجليز، كتب هؤلاء ـ وهم رجال المسيحية فيما يتعلق بهذا الأمر.

ولقد وضَّحوا وبيَّنوا أن الكبْتَ، الذي كان يغمر أوربا في ذلك العصر وَلَّدَ الانفجار، واتَّخذ الانفجار اتجاهًا مُعيَّنًا، واتَّخذ الاتجاه الإنساني، وأخذ قادة الحضارة ـ مُبتدئينَ من هذا الاتجاه الإنساني ـ مُقِرِّرون أن الإنسان له كيانه، له شخصيته، له ذاتيته له حُدوده، له تقديراته، له مكانته التي يجب أن يحتلها الإنسان، المكانة التي تليق به.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت