في إنما بُعِثتُ لأتمِّمَ مكارم الأخلاق
ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أحسن الناس خُلُقًا، لقد ربط حسن الخلق بالإيمان، فقال في حديث صحيح رواه الترمذي:"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا"وفي حديث آخر رواه أبو داود عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: سمعت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إن المؤمنَ لَيُدرِكُ بحُسنِ خُلُقِه درجةَ الصائم القائم".
والخُلُقُ الإسلامي الأول الذي من أجله كانت الرسالة الإسلامية نفسُها إنما هو خُلُقُ الرحمة، ولقد روت الأحاديث أن أعرابيًّا دخل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فوجده يقبِّل أحد حَفَدَته، فاستَغرَب الأعرابي وقال: أتقبِّلون أبناءكم؟ إن لي عشرةً من الأبناء ما قبَّلتُ أحدًا منهم قط. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أوَ أَملِكُ أن نزَع اللهُ الرحمةَ من قلبِك!"وفي موقف آخر مثل هذا قال رسول الله لأعرابي آخر:"ابتعدْ عني؛ لا تَحرقني بنارك"ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا تُنزَعُ الرحمةُ إلا من قلبِ شقيٍّ".
بل إن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يَقبل تفسير الرحمة على أنها خاصة بالأهل والعشيرة مقتصرة عليهم، فقد قال في وجه من فسَّر الرحمة بذلك:"أنا أعني الرحمة العامة".
فمن أساء لأبنائه فقد نُزعت الرحمة من قلبه ودخل بذلك في عداد الأشقياء، وقطَع رَحِمَه ودخل بذلك في عداد هؤلاء الذين قال الله فيهم: (أولئك الذين لَعَنَهم اللهُ فأَصَمَّهم وأَعمَى أبصارَهم) وذلك أن هذه الآية نزلت في الذين يُفسدون في الأرض ويَقطعون أرحامَهم.
ولقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذا رحمة بالحيوانات، وهو القائل:"الشاة إن رَحِمتَها رحمك الله".
فعلى كل إنسان بصورة عامة أن يَتحلَّى بصفة الرحمة حتى يدخل في نطاق قوله صلى الله عليه وسلم:"الراحمون يَرحَمُهم اللهُ، ارحَموا من في الأرضِ يَرحَمْكم من في السماءِ".