في حُرمة العَود في الهِبة
قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما روَى البخاري:"العائد في هِبته كالكلب يَقيءُ ثم يعودُ في قَيئه"أي لا ينبغي لنا ـ معشرَ المؤمنين ـ أن نتَّصف بصفة ذميمة يشابهنا فيها أخَسُّ الحيوانات في أخَسِّ أحوالها، قال تعالى: (لِلَّذين لا يؤمنون بالآخرة مَثَلُ السَّوْءِ وللهِ المَثَلُ الأعلى) ومن هنا حرم الإسلام على المرء الرجوعَ في هبته، ولم يُجِزْ له هذا الرجوعَ ولو دفَع ثَمَنَ هبته لمن وهَبها له في سبيل الحصول عليها، روى البخاري بسنده عن زيد بن أسلم عن أبيه قال: سمعت عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يقول: حمَلت على فرس في سبيل الله فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريَه منه وظننت أنه بائعُه بِرُخْصٍ، فسألت عن ذلك النبيَّ ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال:"لا تَشتَرِهِ وإن أعطاكه بدرهم واحد؛ فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قَيئه".
لقد أعطى عمر ـ رضي الله عنه ـ رجلًا فرسًا ليحارب عليه، فأهمل الرجل العناية بالفرس، أو رَغِبَ في بيعه بثمن بسيط، وأراد عمر شراءه فمنعه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من ذلك لأنه لا يحل .
فمن أسدَى إلى شخص معروفًا يَحرُمُ عليه الرجوع فيه، وإذا تصرَّف المُهدَى إليه في هذا المعروف فلا رجوع لصاحب المعروف عليه. وحجه بهذا المعروف نافذ، ورجوع صاحب المعروف فيه لا يبطل الحج.
وثواب صاحب المعروف على ذلك مستمر؛ حيث لم يحصل على ما رغب في الرجوع فيه من المعروف، وإن قل عن الثواب قبل الرغبة في الرجوع، حيث دلت تلك الرغبة على ضعف عاطفة الخير عنده.