في زيارة النساء للقُبور:
قال القرطبي في قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"لعَن الله الزائراتِ للقُبور". هذا اللعن إنما هو للمُكثِرات من الزيارة، ولعل السبب في هذا اللعن ما يُفضِي إليه تكرار الزيارة من تضييع حق الزوج، وما ينشأ منهنَّ من الصياح ونحوه فإذا كانت زيارتهن للاعتبار بلا نواح ولا تذكير بمآثر الميت فهي مكروهة كراهةَ تحريم لظاهر الحديث.
ويرى بعض العلماء أن كراهة زيارة النساء للقبور للتنزيه؛ لما رواه أحمد والشيخان وغيرهم أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"نُهينا أن نَتَّبِع الجنائز ولم يعزِم علينا".
والراجح أن زيارتهن جائزة للترخيص فيها بعد ذلك، ويُؤَيِّده حديث عبد الله بن مليكة:"أن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أقبلت ذات يوم من المقابر فقلتُ لها: يا أم المؤمنين من أين أقبلتِ؟ قالت: من قبر أخي عبد الرحمن، فقلتُ لها: أليس كان نهَى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن زيارة القبور؟ قالت: نعم كان نهى عن زيارة القبور ثم أمر بزيارتها". رواه الحاكم وصحَّحه ووافَقَه الذهبي.
وروى أحمد ومسلم أن عائشة سألت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عما تقول إذا زارت القبور فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، يرحَم الله المُسْتَقْدِمِين منَّا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون". وعلى ذلك فلا مانع من زيارة النساء للقبور إذا لم يخرجْنَ عن حد الخُشوع وستر العورة وآداب الإسلام وخرجْنَ إليها مُحْتَشِمات يُرِدن العِظَة والعبرة، وكفى بالموت واعظًا فإذا خرجتْ مُتَعَطِّرةً مُتَزَيِّنةً ليشمَّ الناس عطرَها ويَرَوْنَ زينتها فإن ذلك حرام، وعليها لعنة الله ورسُله وملائكته."