في الإسراء والمعراج
ذهب الجمهور من علماء المحدِّثين والفقهاء والمتكلِّمين إلى أن الإسراء والمعراج وقَعَا في ليلة واحدة في اليقظة بجسد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وروحه، بعد البعثة، ولقد توارد على ذلك ـ كما يقول الإمام ابن حجر ـ ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يُحيله حتى يَحتاج إلى التأويل.
ولو كان ذلك منامًا أو بالروح فقط لما كذَّب رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مكذِّبٌ؛ لجواز وقوع مثل ذلك لآحاد الناس. إن الناس في الرؤيا يَرَونَ أنهم سافروا وأَبعَدوا، وذهبوا وجاءوا، وعقَدوا العقود ورَأَوا نتائج عقودهم وثمارَ عهودهم، فلو كنا بصدد رؤيَا لَمَا ارتاب في صدق الصادق الصدوق ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ إنسانٌ ولَمَا أشفَقَت السيدة أم هانئ رضي الله عنها على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حين أخبرها الخبر وقال إنه سيحدث الناس به، فأرادت منه أن يَعدل عن ذلك قائلةً: إنهم سيكذبونك. فلم يَستجِبْ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ لنصيحتها لأن الحق ينبغي أن يُذاع، وأذاعه صلوات الله وسلامه عليه بين الناس.
ما هو إذًا الموقف الذي ينبغي أن نتخذه من هذا الموضوع؟
إن موقف المؤمن الصادق في ذلك إنما هو موقف سيدنا أبي بكر، فعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه سعى رجال من المشركين إلى أبى بكر ـ رضي الله عنه ـ فقالوا: هل لك إلى صاحبك، يزعم أنه أُسريَ به الليلةَ إلى بيت المقدس! فقال: أوَ قد كان ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: تصدقه إنه قد ذهب إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يُصبح! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك؛ أصدقه في خبر السماء في غَدوة أو رَوحة. فلذلك سُميَ الصديقَ.