في تفسير قول الله تعالى قُلْ يا عِبادِي الذينَ أسْرَفُوا:
(قُلْ يا عِبادِيَ الذينَ أسْرَفُوا علَى أنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحيمُ. وأَنِيبُوا إلَى رَبِّكُمْ وأَسْلِمُوا لَهُ..) . (سورة الزمر: آيتا:(53 ـ 54) .
فهذه الآية الكريمة تدعو كل مُذْنِبٍ إلى التوبة، إنها لا تَستثني أحدًا، وتأمر أن لا يَقْنَطَ المُسلم مِن رحمة الله، ولو أسرف على نفسه بكثْرة الذنوب وبكَثْرة المَعاصي.
على أن الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة كل ذلك قد تضافَر على وُجوب التسوية، يقول الله ـ تعالى: (وتُوبُوا إلَى اللهِ جَمِيعًا أيُّها المُؤمنونَ لعلَّكُمْ تُفلحُونَ) . ويقول رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما رواه الإمام مسلم:"إنَّ اللهَ تعالى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ ليَتوبَ مُسِيءُ النهار، ويَبسط يدَه بالنهارِ ليتوبَ مُسيء الليلِ".
ومِن المعروف في الجو الإسلامي أن التوبة الخالِصة النَّصُوح تجبُّ ما قبلها، وأنها تُعطي الإنسان شهادةَ البراءة.
والتوبة التي مِن هذا النَّمَط ليست كلمةً تُقالُ فحسب، أو لفظةً تنتهي بانتهاء اللسان مِن قولها، ولكن التوبة، إذا كانت المَعصية بين العبد وبين الله ـ تعالى ـ لا تتعلق بحقِّ آدميٍّ، لها ثلاثة شروط:
الأول: أن يُقْلِعَ المُذْنِبُ عن المَعْصية.
والثاني: أن يَنْدَمَ على فِعْلِهَا.
والثالث: أن يَعْزِمَ ألا يعود إليها أبَدًا، وإنْ كانت المعصية تتعلَّقُ بآدميٍّ فلها شرط رابع، وهو أن يَرُدَّ التائِبُ الحقوقَ بقَدْرِ الاستطاعة، فإذا فُقد شرط مِن هذه الشروط، فلا تَصِحُّ التوبة. والأمر ـ فيمَن جمع مالًا كثيرًا عن طريق غير شرعيٍّ، وأراد أن يكفر له الله عن سيئاته ـ واضح، فلابد مِن التوبة الخالصة النَّصُوح، والمُحقِّقة للشروط التي سبق أن ذَكَرْنَاهَا.