في خلْق آدمَ ليكون خليفةَ الله في السماوات والأرض:
بيَّن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أنه إنما خلَق آدم للأرض وذلك قبل أن يُصوَّر ويَنفخ فيه الروح ويَبرز في عالَم الوُجود فقال للملائكة:
(إنِّي جاعلٌ فِي الأرضِ خَليفةً) .
وقد سُئل الحسن ـ رحمه الله ـ عن: آدم للسماء خُلق أم للأرض؟
فقال: ما هذا؟ للأرضِ خُلق.
فقال السائل: أرأيتَ لو اعتصمَ، ولم يأكل مِن الشجرة؟
قال: للأرض خُلِق، فلم يكن بُدٌّ مِن أنْ يَأكلَ مِنها.
ومِن أجمل الآراء في قضية آدم وأعمقها رأي الإمام أبي الحسن الشاذلي: لقد شعَر أبو العباس المُرسي في يومٍ بضِيقٍ شديدٍ لم يَعلم له سببًا، فذهب إلى أبي الحسن الشاذلي، فلمَّا رآه قال مُباشرةً: آدم خَلَقَهُ اللهُ بيَدِه، وأسجدَ له ملائكتَه، وأسكنَه الجنة نِصْفَ يومٍ خَمْسَمائة عامٍ، ثم نزَل به إلى الأرض، واللهِ ما نزَل بآدمَ إلى الأرض لِيُنْقِصَهُ، لكن نزل به إلى الأرض ليُكمله، ولقد أنزله إلى الأرض مِن قبْل أن يَخلُقه بقوله: (إنِّي جاعِلٌ في الأرضِ خَلِيفَةً) .
وما قال في الجنة ولا في السماء، فكان نُزوله إلى الأرض نُزول كَرامة، لا نُزول إهانةٍ، فإنه كان يَعبُد الله في الجنة بالتعريف، فأنزَله الله إلى الأرض ليَعبده بالتكلِيف، فلمَّا توفَّرت فيهِ العُبُودِيَّتَانِ استحقَّ أن يكون خليفةً.
وأنتَ ـ أيضًاـ لكَ قِسْطٌ مِن آدم، كانت بدايتُك في سماء الروح، في جنة المعارف، فأنزلك الله إلى أرضِ النفس لتعبدَه بالتكليف، فلمَّا توفرت فيكَ العُبوديَّتانِ استحقَقْتَ أن تكون خليفةً.
أمَّا أين نزل، فذلك غيْبٌ لا يتحدث عنه التاريخ المَوثوق به، وقد كان يكفي ذلك للكفِّ عن بحْث العلماء في هذا الموضوع، ولكن العلماء بحَثوا فيه واختلفوا، شأنهم في ذلك في بحْث كل ما لم يَرِدْ فيه نَصٌّ صحيح.