في ما يعتقده الكثيرون من أن الفكر الديني ـ في هذا العصر ـ يُعاني أزمة عاصفة في مُواجَهة التطور المادي:
حتى تكون الرؤية واضحةً كل الوضوح ينبغي أولًا وقبل كل شيء تحديد المقصود بالفكر الديني؛ لأن إطلاق العبارات دون التعرُّف على مضامينها يُوقِع في اللبس فتغم الرؤية، ولا يَستَبِين المحتوى استبانةً يَطْمَئِنُّ عليها القلب والفكر.
فإذا كان المقصود بالفكر الديني المحتوى المُتكامِل الأبعاد لمبادئ الإسلام ومُقَرَّراته فإنه لا توجَد أزمة بين هذا المدلول وبين التطوُّر المادي حتى يُعاني هذا المحتوى أزمة ما؛ ذلك لأن الإسلام دين الله الحق الذي بُعِث به خاتم المُرْسَلين ـ صلى الله عليه وسلم ـ والإسلام بوسائل مُتَعَدِّدة يدفع إلى التطوَّر والإفادة من مُعْطَيَات الفكر المُتَحَرِّك دومًا ونظرًا إلى أن الإسلام دين الله الحق فهو يَحُثُّ على ذلك ويُشَجِّع عليه؛ لأن التطور على مدار مطافه لا يَصطدِم بالإسلام أبدًا، ومن ناحية أخرى كلما تقدم التطور في طرُقه أعطى آكَد البراهين على حقيقة مُحتَوى الإسلام، فلا أزمة ـ إذن ـ بين التطوُّر المادي والإسلام في محتواه الذاتي.
أما إذا كان المقصود بالفكر الديني الحالة الفكرية التي لها علاقة وثيقة بالتأثير والتأثُّر العَقَدي فإن الأمر يختلف لعوامل، ليس من بينها التطوُّر المادي في ذاته، وإنما لملابسات تُحيط بهذا التطور، وأهم هذه المُلابسات الصخَب الإلحادي الذي تقوم عليه بعض المجتمعات التي نَحَّت الدين من طريقها لاعتبارات ليس من غرض الحديث التعرُّض لها، بيد أنها في جملتها وتفصيلها اعتبارات لا تقوم على منطق ولا تتذرَّع بحُجَّة صحيحة.