في مظاهر الرحمة في سلوك الرسول
إن سلوك الرسول ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ كان الرحمةَ نفسَها، ولقد وصفته السيدة خديجة رضوان الله عليها فقالت: إنك لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتُكسِبُ المُعدَمَ، وتَقرِي الضيفَ، وتُعين على نوائب الحق. وهذه الصفات كلها تتبلور في كلمة واحدة هي الرحمة. وفي يوم من الأيام رأى أحدُ الأعراب رسولَ الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقبل أحدَ أحفاده، فقال مندهِشًا: أتقبِّلون أبناءكم؟ إن لى عشرةً من الأولاد وما قبَّلتُ واحدًا منهم قط. فعرَّفه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ في نوع من الاستهجان أن الله قد نزع الرحمة من قلبه.
ولقد تعدَّت رحمتُه ـ صلى الله عليه وسلم ـ الإنسانَ إلى الحيوان، وكتب السيرة تروي أنه ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ مر ذات يوم على بستان رجل من الأنصار فدخله، فإذا جمل يَحِنُّ وتَذرِفُ عيناه فأتاه النبي ـ صلوات الله عليه وسلامه ـ فمسح عليه فسكت، ثم قال صلوات الله عليه:"من ربُّ هذا الجمل؟"فجاء فتًى من الأنصار فقال: هذا لي، يا رسول الله. فقال له:"ألا تتَّقي اللهَ عز وجل في هذه البهيمة التي ملَّكك اللهُ، إنك تُجِيعُه وتُدئِبُه"أي تُتعبه وتُجهده، فخَجِل الشاب الأنصاري وتغير سلوكه مع الجمل.
وتذكرنا هذه القصة بما قصَّه ـ صلوات الله عليه ـ من قصة ذلك الرجل الذي وجد كلبًا يَلهَث من شدة العطش، فملأ خُفَّه وسقاه، فغفر الله له بسبب ذلك.