في غيْبة التشريع الإسلامي
هذا الإسلام الذي نشأتُ عليه، والذي أحْمَدُ اللهَ حمدًا جزيلًا على هذه النعمة الكبرى التي لا تَعدلها نِعمة قد طُبِّق وخرج عن أن يكون مجرد مبادئه إلى أن أصبح واقعًا، فأنْتجَ بعقائده وأخلاقه وتَشريعه خيرَ أُمَّة أُخرجت للناس، واستمر الإسلام يُطبق التشريع الإلهي المَعصوم عدَّة قرون إلى أن أنشاتْ مصر ما سمَّتْه المَحاكم المُختلِطة، وتخلَّتْ فيها عن التشريع الإسلامي، وفي هذه الفترة بالذات بدأ الاحتلال وبدأ التخلِّي كليةً عن التشريع الإسلامي، فإنه حينما احتلَّ المستعمرون أرضَ الإسلام بدءوا يَهْدمون ما يُقوِّي الشعور الإسلامي في النفوس، ومِن أجل ذلك غيروا القوانين الإسلامية وأتَوْا بقوانينَ أوربية ألْزموا بها أهل الأوطان المحتلة، وأتَوْا بقُضاةٍ مِن بلادهم يَحكمون بقَوانينهم، ويَنشرونَ تَشريعهم، ولم يَكتفوا بذلك، وإنَّما أَنشأوا مدارس لتعليم القوانين الأوربية، وأصبحت هذه المدارس كلياتٍ حينما أُنشئت الجامعات، وهي كليات الحقوق، وهذه الكليات تُدَرِّسُ القوانين الأوربية، وتُنفق عليها الدولة لتُخَرج قضاة ووكلاء نيابةٍ ومُحامين تَخصَّصوا في التشريع الأوربي، واستمر الأمر كذلك سنينَ طوالًا، فبدأ على مَرِّ الزمن، وكأنه أمرٌ طبيعيٌّ، وأصبح انفصال المسلمين عن شريعتهم وإحلال شريعة أوربا مَحلَّها أمرًا عاديًّا، ولا يَجدون غَضاضةً في إنفاق الأموال الطائلة على كلياتٍ تَفْصلهم عن تشريعهم.