في الحكمة من الإسراء والمعراج
إنها ليست حكمة واحدة وإنما هي عدة حِكَم؛ منها أنه كان تكريمًا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في وقت استحكم فيه الجهاد بين قُوَى الخير ممثَّلةً في الرسول وأتباعه، وقُوَى الشر ممثَّلةً في المشركين يتزعمهم أبو جهل، وكانت قُوَى الشر في عنفوانها على قُوَى الخير، فجاءت معجزة الإسراء والمعراج مبيِّنةً مكانة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأظهرت أن مقامه ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ قاب قوسين أو أدنى في القرب من الله سبحانه.
ومن حِكَم معجزة الإسراء والمعراج أنها كانت تصفيةً لضعاف النفوس والشاكِّين والمترددين، لقد كانت نفيًا لهم عن الجماعة الإسلامية الناشئة، إذ إنهم لو مكثوا فيها لكانوا ضررًا عليها. ولئن كانت معجزة الإسراء والمعراج تكريمًا للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإنها كانت ابتلاءً للجماعة الإسلامية لِيَميزَ اللهُ الخبيثَ من الطيب ولِيَذهَبَ الزَّبَدُ جُفَاءً. وتخلصت بذلك الجماعة الإسلامية الناشئة من الضعاف والشاكِّين والمترددين.
ومن الحِكَم بيانُ أن القيادة في بيت المقدس يجب أن تكون للمسلمين، وهذا هو المعنى الذي يؤخذ من إمامة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ للأنبياء والرسل؛ إن الإمامة في بيت المقدس، وإن الكلمة الأولى والقيادة يجب أن تكون للمسلمين دون غيرهم، فإذا قصَّروا فيها فهم آثِمون أفرادًا، وهم آثِمون جماعاتٍ، وهم آثِمون دُوَلًا وحكوماتٍ.
ومن هذه الحِكَم ما نبَّهَت عليه المشاهدةُ الأولى في مرحلة الإسراء المباركة؛ لقد كان أولَ ما شاهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشهدُ هؤلاء الذين يَزرعون ويَحصُدون في يوم، ولما سأل عنهم قيل إنهم المجاهدون في سبيل الله، تُضاعَفُ لهم الحسنات إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يُخلفه وهو خير الرازقين. والجهاد هو وسيلة الحصول على القيادة في بيت المقدس.