فهرس الكتاب

الصفحة 400 من 1350

في حق التوكل على الله

عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، فيما رواه الإمام الترمذي وحسنه قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"لو أنكم تتوكلون على الله حقَّ توكُّلِه لرزَقكم كما يَرزُقُ الطيرَ، تَغدُو خِماصًا وتَروحُ بِطانًا".

فإن الطير تذهب أول النهار ـ كما يقول الإمام النووي ـ خِماصًا، أي ضامرة البطون من الجوع، وترجع آخر النهار بِطانًا، أي ممتلئة البطون.

والواقع أن الحديث الشريف يوجه الأذهان إلى أن الطير تُصبح فتذهب للبحث عن رزقها، تُصبح جائعةً فتعمل وتجتهد في طلب الرزق، وبعد رحلة عملٍ مستمرٍّ ساعاتٍ تعود إلى عشها ممتلئة البطن شِبَعًا ورِيًّا.

ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يقل إن الله يرزقها وهى ساكنة في عشها، وقد كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إمام المتوكلين وكان إمام المجاهدين المكافحين الآخذين بالأسباب.

وسيدنا أبو بكر، رضي الله عنه، حينما بويع بالخلافة أصبح ذاهبًا إلى السوق يَتَّجِرُ كعادته، فتكاثر عليه المسلمون قائلين: كيف تفعل ذلك وقد أُقِمتَ لخلافة النبوة؟ فقال لهم: لا تَشغلوني عن عيالي، فإني إن أضَعتُهم كنت لِمَا سواهم أضيَعَ. حتى فرَضوا له قُوتَ أهل بيت من المسلمين.

لقد كان كبار الصحابة، رضي الله عنهم، يعملون ويكتسبون وكانوا مع ذلك من كبار المتوكلين.

ومما ينبغي التنبُّه له أن أنبياء الله ورسله لم يبلِّغوا الدعوةَ وهم في مساكنهم آمنين مطمئنين، وإنما جاهدوا في سبيلها جهادًا مستميتًا، وكانوا في جهادهم مُثُلًا كريمةً للمتوكلين، يقول الله تعالى على لسان سيدنا هود عليه السلام: (إني توكلتُ على اللهِ ربِّي وربِّكم ما من دابَّةٍ إلا هو آخذٌ بناصيتِها إن ربِّي على صراطٍ مستقيمٍ) أخَذ هود، عليه السلام، يعمل على نشر الحق المُوحَى إليه، الحق الذي دعا إليه كل نبيٍّ ورسولٍ، والذي يتلخص فيما قاله هود عليه السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت