في تدوين السنة
بدأ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في العهد المكي يبشر بالقرآن الكريم ورسالة التوحيد سرًّا ثم جهرًا، وكان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يلقي بالأضواء كلها على القرآن.
1ـ ذلك أن القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، وهو بأسلوبه معجِز، وهو بمعناه يأخذ بالأفئدة، وهو بعظاته يتملك القلوب، وهو بمَنطِقِه يسيطر على العقول.
2ـ ثم إن موضوع القرآن في هذه الفترة كان موضوعًا محدَّدًا، لقد كان جملةً من القضايا تتصل بالغيب، الغيب الإلهيَّ، أو بتعبير آخر: توضيح العقيدة توحيدًا ورسالة وبعثًا، وكان أسلوب القرآن في ذلك واضحًا لا لبس فيه بَيِّنًا بيانًا سافرًا.
3ـ وخَشيَ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يضيف الناس شيئًا من كلامه إلى القرآن ويَخلِطوه به وربما أسرفوا في هذه الإضافة، فلا يَستبين الناس الفواصل والفروق بين الأسلوب القرآن الإلهي والأسلوب النبوي حينما يَتلونهما في أول العهد بالإسلام مُمتزِجَينِ لا تَمييزَ بينهما. إن معالم الأسلوب القرآني واضحة، وكلام الله سبحانه أينما كان يتميز بصفات تجعله بمَعزِل عن غيره، ولكن لابد من إيجاد الفرصة الكافية لتَرتسم هذه المعالم في النفوس، أي لابد من تقويم القرآن خالصًا صافيًا لا يمتزج به غيره، لابد من تقديمه كما أُنزل في ثوبه الإلهي البحت حتى تصبح المعالم ـ معالمَ الإعجاز المُعجِز ـ بيِّنةً سافرة. من أجل ذلك نهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن كتابة حديثه صلوات وسلامه عليه.
4ـ على أن هذه الآيات القرآنية في العهد المكي وهي تشرح التوحيد وتوحيد الله في الصفات، إنها وهو تشرح الهَيمَنة الإلهية على الكون، على العوالم، جميع العوالم، ليست في حاجة إلى بيان أوضح أو إلى تعبير أقوى، بل أنه لا يَتأتَّى أن يكون هناك بيان أوضح أو تعبير أقوى.