في قصة الأخدود المذكورة من سورة البروج:
إنَّ هذه الآيات الكريمة من سورة البروج التي نزلت لتُبَيِّنَ أنَّ المؤمن يؤدي رسالة، وأن مثله في هذه الحياة الدنيا مثل أصحاب الرسالات الذين يجاهدون في سبيل الله، فيصادفون في ذلك مصادفة المعارضين وكيدهم ومكرهم وتعذيبهم، وما دام الإيمان يملأ القلب فإن المؤمن يصير على كل ذلك مجاهدًا إلى النهاية فينال النَّصر أو الشهادة ويضرب الله مثلًا للمؤمنين بأصحاب الأخدود، والأخدود الحفرة المستطيلة في الأرض، وأصحاب الأخدود هم الذين حفروا هذه الحفرة المستطيلة وأوقدوا فيها النار مشتعلة متأججة وأتوا بالمؤمنين الذين لم يفعلوا جريمة ولم يرتكبوا أي ذنب إنما كان كل ما يأخذونه عليهم إنما هو أنهم آمنوا بالله العزيز الحميد. ولقد عذبوهم بسبب إيمانهم وألقَوا بهم في النار بسبب إيمانهم، وقد استمسك هؤلاء المؤمنون بإيمانهم لم يحيدوا عنه قيد شعرة. وجلس الطغاة على حافة النار ينظرون في نوع من التسلية إلى هؤلاء المؤمنين الذين يقذف بهم في النار واحد بعد واحد دون أن تنبض قلوب الطغاة برأفة أو برحمة.
وهذه القصة كانت بين اليهود ونصارى نجران، فقد تآمر اليهود على نصارى نجران ودبروا المكيدة لهم فاستولوا على المدينة، وحفروا الأخدود وألقوا النصارى واحدًا بعد الآخر في الحفرة التي حفروها، وكانت جريمة بشعة تضاف إلى جرائم اليهود التي لا حصر لها عبر التاريخ، قاتلهم الله. إنَّ لهم أثرًا سيئًا في كل مكان يحلون به وإن لهم جريمة في كل أرض يمسون ترابهم، ولكن الله ـ سبحانه وتعالى ـ لم يمهلهم كثيرًا في نشوة انتصارهم، وعبر عن ذلك بقوله تعالى: (قُتِلَ أصْحَابُ الْأُخْدُودِ) أي أن الله ـ سبحانه وتعالى ـ أهلك اليهود ودمرهم بجريمتهم، ولقد كان هذا الشأن شأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ دائمًا معهم، فإنَّهم، بنص القرآن، كلما أوقدوا نارًا للحرب ـ متمشين في ذلك مع طبيعتهم ـ أطفأها الله وخذَلهم شرَّ خِذلان..