في رواية الحديث عن المتخصِّصين
مثل من الإمام مالك بن أنس
وكان يَتحرَّى التخصص، ويُروَى عنه ـ فيما يتعلق بناحية التخصص ـ أنه قال: قد أدركت بالمدينة أقوامًا لو استُسقِيَ بهم القَطرَ لَسُقُوا (أي أنهم من الصلاح بحيث لو دَعَوا اللهَ أن ينزل المطر لاستجاب لهم) وقد سمعوا من العلم والحديث شيئًا كثيرًا وما أخذتُ عن واحد منهم، وذلك أنهم كانوا قد ألزَموا أنفسَهم خوفَ الله والزهدَ.
ويقول هذه الكلمات البالغة العمق:
إن هذا العلم دِين فانظروا عمن تأخذونه، لقد أدركت سبعين ممن يقول قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ عند هذه الأساطين (وأشار إلى المسجد) فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو اؤتُمِنَ على بيت مال لكان أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن .
ويريد أن يقول في هؤلاء وأولئك إنهم ليسوا من أهل الحديث، ومن الجائز وهم غير متخصصين في هذا الشأن أن يغرَّر بهم أو أن يَروُوا حديثًا ضعيفًا. ويريد أيضًا أن يقول إن الصلاح غير العلم، وإنه لا يلزم من وجود الزهد أو الأمانة أن يكون الزاهد أو الأمين نَقّادةً متثبِّتًا.
ومع هذا التحري ومع هذا الجهد في التثبت فإنه ما كان يَروي كلَّ ما يسمع، ويقول: إن عندي لأحاديثَ ما حدثت بها قط، ولا سُمعت مني، ولا أحدث بها حتى أموت.
وقال مالك يومًا: سمعت من ابن شهاب أحاديثَ لم أحدِّث بها إلى اليوم. فقال له قائل: لم يا أبا عبد الله؟ فقال: لم يكن العمل عليها فتركتها .
وردُّ مالك على السائل هو المفتاح الذي نفسِّر به هذا الموضوع الذي يتساءل عنه الناس كثيرًا، وذلك أن مالكًا، رضي الله عنه، كان قد اتخَذ مبادئَ نقدية محدَّدة لقبول الحديث منها:
1ـ أن يكون المحدِّث من رجال الحديث متخصِّصًا فيه .
2ـ وأن يكون صاحب ذاكرة قوية .
3ـ وألاّ يكون من أصحاب الأهواء .
4ـ وألاّ يخالف الحديث أصلًا من أصول الدين .
5ـ وألاّ يتعارض في وضوح مع عمل أهل المدينة .