في الخلاف يبن الأئمة
من المشاهَدِ أن ثَمّةَ اختلافًا يبن العلماء المجتهدين في كثير من مسائل الأحكام، مما لم يَرِدْ فيه نص صريح أو واضح الدلالة على المراد، أو ما ورَد فيه بصور مختلفة تُبيح جوازَ العمل على عدة وجوه.
وكلٌّ من الأئمة مصيبٌ في اجتهاده، حيث بذَل وُسعَه وكان مستكمِلًا لوسائل الاجتهاد، ولكنّ المتأخرين تعصَّبوا لمذاهبهم وظنوا أن مذهب إمامهم هو السُّنَّةُ وما يخالفُه لا أساسَ له. ومنهم من يدفعه إلى ذلك قِصَرُ العلم عن إدراك أدلة الأئمة ومكانتهم من العلم والدين.
والسائل هنا يظن أن تكرار (الله أكبر) في الأذان أربع مرات هو السُّنَّةُ لا غير، وأن إفراد كلمة (قد قامت الصلاة) في إقامة الصلاة هو السُّنَّةُ لا غير، وكذا تَرْكُ قراءة البسملة في الفرض هو السُّنَّةُ دون سواه.
ولكن هذه الأمور التي ظنَّها مخالفةً للأحاديث النبوية قد وُجدت في كتب الحديث المعتمَدة بأسانيد موثوق بها، ووجودها لا يعني التضاربَ بين المذاهب أو التعارضَ بين نصوص الدين، إذ هذه الأمور ليست من الأمور التي تَتناقض فيها الآراء أو تَتصادم فيها الأفكار، والرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يحدد لها صيغة معينة لا يجوز غيرها، بل أجاز فيها هذه الوجوه التي وردت في المذاهب، ورأى بعضُ الصحابة وجهًا فحمَلَه عنه غيرُه، ووصَل الأمر إلى هذا الإمام فعَمِلَ به، ورأى بعضُ الصحابة وجهًا آخَرَ فحمَلَه عنه مَن بعده حتى وصَل إلى إمام آخَرَ فعَمِلَ به، ويجوز لكل مكلَّف العملُ بأي وجهٍ أراد.