في تفسير قوله تعالى قالَ اهبطَا منها جميعًا:
(قالَ اهبطَا منها جميعًا بعضُكمْ لبعضٍ عدوٌّ فإمَّا يَأتيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ ولا يَشْقَى. ومَن أعْرَضَ عَن ذِكْرِي فإنَّ لهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. ونَحْشُرُهُ يومَ القِيامةِ أعْمَى. قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وقدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قالَ كذلكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وكذلِكَ اليومَ تُنْسَى) . (سورة طه: الآيات من: 123 ـ 126) .
في هذه الآيات مُقارنة بين مَنِ اتبع الهُدَى ومَن أعرض عنه، إن مَنِ اتَّبَعَ الهُدى فلا يَضلُّ عَن طريق الحقِّ ومُتابعة الشرْع ولا يَشقَى مهما نزل في الدنيا، إنه راضٍ قانع، في نِضاله وكفاحه، مُستسلم لله ـ سبحانه وتعالى ـ شرَح الله صدْرَه بالإيمان وطمْأنهُ بالتقوَى والذِّكْرِ:
(ألَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) .
أمَّا مَن أعْرَض عن نداء الحقِّ وتجاهلَ أوامر الشرْع، وسار في حياته بلا مُرشد من الدِّين ولا دليل من الهدف فإنه ـ مهما كان غِناه ـ ساخط، مُتبرِّم، قلِق غاضب، حَسُود، حَقُود. وقد يكون كسْبُه حَرامًا وهو لا يَهتمُّ.
ويُعاقبه الله ـ تعالى ـ في الآخرة على ذلك بالعمَى فلا يُبصر طريقه، ويَسيرُ على غير هدًى، إنه لا يُبصر حُجَّةً ولا يستطيع دفاعًا عن نفسه.
ويتساءل كأنه لا يَعرف أو لأنه نَسِيَ مِن هَوْلِ ما حَصَلَ له: (رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أعْمَى وقدْ كُنْتُ بَصِيرًا) . ويكون الجواب بما يُفيد: لقد كانت الآيات الإلهية أمامك فهل أبصرتها؟ وهل سِرْتَ على هُداها أو تَعامَيْتَ عنها؟ إن الجزاء من جِنْسِ العمل، والعمَى في القيامة هو عمَى البصيرة، هو الحَيْرَة والتخبُّط وعدم الاهتداء إلى سبيل النجاة.
وهذا الجزاء ليس خاصًّا بفرد دون فرد. إنه لكل مُسرف يَنسى الدِّين وينغمس في الدنيا، إنه لكل مَن لايهتمُّ إلا بالمادة، ويتناسَى القيم والأخلاق.