في اتِّخاذ القبورِ مساجِدَ:
اختلف العلماءُ في المراد بقوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في مَرَضِ مَوْتِه:"لَعَنَ الله اليهودَ والنصارى اتَّخذوا قبورَ أنبيائهم مساجد"هل كانوا يسجدون إلى القبور ويُعَظِّمُون القبور، أو كانوا يبنون فوقها المساجد ويُصَلُّون فيها؟
فإنْ كان المراد تعظيم القبور والسجود لها أو لأصحابها، فلم يُعْهَد ذلك في بلاد الإسلام ولا يقول مسلم بذلك أو يَرْضَى به، وعلى ذلك فالصلاة في مسجد فيه قبر لا شيء فيها، وإن كان المراد بناء المساجد على القبور أو اتخاذ القبور في المساجد فالصلاة في مسجد فيه قبر حرام، وقد نَهَى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عنها.
على أنَّ الصلاة في المقابر نفسها اختلف فيها العلماء: فقيل بِحُرْمَةِ الصلاة وقيل بِكَراهِيَّتِها، وقيل بجوازها، وهذا فيما إذا لم تتحقَّق النجاسة من لحوم الموتى وصديدهم وما يخرج منهم وإلَّا لم تَصِحَّ الصلاة. ومن المعلوم أن المسجد إن كان فيه قَبْرٌ ـ أو قبران أو ثلاثة ـ محفوظٌ من النجاسة مُرَاعَى فيه تَحَقُّق الطهارة ـ أي إنَّ الخوف من الصلاة على النجاسة غير موجود فيه، وتَصِحُّ الصلاة فيه.
ولكن هذا لا يمنع من أنَّ الصلاة في غير هذا المسجد أوْلَى من الصلاة فيه ما دام هناك غيره ـ ما لم يُفْصَل القبر عن المسجد بحائط أو حاجز مثلًا ـ وإلَّا استوى هو وغيره من المساجد.
ومن الأمور المكروهة تخصيص مسجد ما بصلاة التراويح أو العيدينِ ونحوهما دون غيره؛ إذ هو تخصيصٌ بغير مُخَصَّصٍ، وقد يؤدِّي إلى الوقوع في الابتداع المذموم، فالمساجد كلها في مرتبة واحدة عدا المسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى، وتخصيص غيرهم من المساجد بصلاة خاصَّة أو عبادة معيَّنة لا يجوز، فالأوْلَى الابتعاد عنه.