يُلاحظ الكثيرون بعض المظاهر التي تُوحي بعُزلة رجال الدين عن الحياة الاجتماعية والسياسية، كما يُلاحظون بعض المظاهر السلبية في العادات والتقاليد والتواكُل والاستسلام للواقع، فما هو موقف الدين من كل ذلك؟
هذه الملاحظة في عمومها الذي وردت به غير مقبولة من الناحية الواقعية بإطلاق، فالمعروف تاريخيًّا أن علماء الإسلام كانوا على مرِّ العُصور يُشاركون مُشارَكة تامة في أحداث السياسة والاجتماع، ومَن يَدْرُس التاريخ أو يَطَّلِع عليه يجد ذلك حقًّا، بل يجد أنهم كانوا القادة والمُحَرِّكين وأقرب الأحداث نسبيًّا ما كان من علماء الإسلام أيام الحملة الفرنسية ثم ثورة 1919م. وهل ينسى الناس أمثال عمر مكرم والشيخ السادات، وسعد زغلول؟ أليس هؤلاء ممَّن خرَّجهم الأزهر؟
بل إن علماء الأزهر كانوا دِرْع الشعب الواقِيَة من صلَف الحكَّام وظلمهم، وهل ينسى أحد مواقف الشيخ أحمد الدردير، رضي الله عنه وأرضاه.
لكن الذي كان فعلًا هو أن الاستعمار الإنجليزي عَمِل بكل جُهْده على عَزْل علماء الأزهر عن مجالات التأثير، وبخاصة في التدريس في المدارس الابتدائية والثانوية، وكان"بطل"هذا العمل هو القس الإنجليزي"دانلوب"الذي عَمِل بما استطاع من حيلة أن يخلق جهاز الأزهر وَيَحصره في نِطاق ضيِّق يَحُول دون فاعلية التأثير، وعلى الرغم من كل ذلك استطاع العملاق بفضل الله وعونه أن يظل صامدًا في حلْبة التأثير، وإن كان قد أصابته خدوش، فذلك ضرورة من ضرورات المعارك.
وليس أدل على أن علماء الإسلام يُشاركون في الحياة الاجتماعية والسياسية من قيام جبهات غير إسلامية تُحاول بمختلف الأساليب أن تنال منهم حتى يَخِفَّ وزنهم في قلوب المواطنين، الأمر الذي يتبعه حتمًا فقدان التأثير.
وليس من اللازم في توصيف المُشارَكة أن يُوكَل إلى المُشارِك عمل اجتماعي أو سياسي بعينه، وإنما المُشارَكة في معناها الأصيل فهم الواقع، والتأثير بأي أسلوب من أساليبه.