في الاجتهاد
إن باب الاجتهاد لم يُغلَقْ ولم يُغلِقْه أحد، ولا يَتأتَّى أن يُغلقَه أحد، ولم يقل عالم من العلماء المستنيرين إن باب الاجتهاد قد أُغلق، بيد أن هذا الموضوع يحيط به كثير من اللبس في أذهان الكثيرين من الناس؛ وذلك لأن الاجتهاد ينصب على أمرين:
أحدهما، الاجتهاد في المسائل التقليدية المذكورة في كتب الفقه، من عبادات ومعاملات. وهذا معناه أن يبذل المجتهد ما يستطيع ليصل إلى الوضع الحقيقي الذي كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في هذه المسألة أو تلك، فهو في بحثه هذا يجب عليه أن يتخلى عن كل فكرة شخصية في الموضوع، وأن يسير موطِّنًا النفسَ على أن يستجيب لنتيجة البحث، فيقررَ النتيجة التي وصل إليها في تحقيق ما كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المسألة التي يبحث عنها.
إن المجتهد في هذا الموضوع لا يبتدع ولا يخترع ولا يقول من عنده شيئًا، وإنما دوره الوحيد هو التثبت مما كان عليه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فإذا ما وصل إليه انتهى دوره، ومن أجل ذلك يقول كل متديِّن، كما قال أئمة المذاهب: إذا صح الحديث فهو مذهبي. وليس لأحد أن يقول برأي شخص إذا كان للرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الموضوع حديث من الأحاديث.
والأمر الآخر من الاجتهاد، هو الاجتهاد فيما لم يَرِدْ فيه نص من الأمور المستَحدَثة التي أحدثها التطور الزمني. والمجتهد في هذا مهمتُه محدَّدةٌ، إنها بذل كل ما يستطيع من جهد فكري لربط هذه المسألة بقاعدة عامة من قواعد الدين الكلية تحريمًا أو تحليلًا، وذلك لأن كثيرًا من المسائل الجزئية التي تحدث بتطور الزمن تندرج تحت قاعدة كلية من القواعد الموجودة في الدين.