فمثلًا هذه الأنواع الكثيرة من المسكِرات أو الأنواع الكثيرة من المخدِّرات لم تكن في الصدر الأول، وعمل المجتهد بالنسبة لها أن يَربطَها بقاعدة (كلُّ مُسكِرٍ حرامٌ) بالنسبة لأنواع الخمور، وبقاعدة (كلُّ مُفتِّرٍ حرامٌ) بالنسبة لأنواع المخدِّرات.
ولقد قال أئمة الفقه الذين اجتَهَدوا في مثل هذه المسائل بالنسبة للمخدِّرات: إن من شرب الحشيش مستَحِلاًّ له فقد كفَر، لا يُصلَّى عليه ولا يُدفَنُ في مقابر المسلمين.
المجتهد في الأمور المستَحدَثة التي أحدثها التطور الزمني لا يبتدع، إذ هو الآخر لا يأتي بشيء من عنده وإنما هو يجتهد في الربط بين الجزئيات المستَحدَثة والقواعد الكلية، لأن هذه الجزئيات تَندرج تحتها.
وليس هناك نوع ثالث من أنواع الاجتهاد.
وإذا كان بعض الناس يظن أن الاجتهاد اختراع وابتداع وإتيانٌ بالرأي الشخصي ومحاولة تغيير الدين بحسب التطور الزمني، فإنه مخطئ. والواقع أن الذين يظنون أن الاجتهاد اختراع وابتداع كثيرون، حتى في كبار المثقَّفين من الحقوقيِّين، ففي بعض اللجان التي تضم حقوقيِّين وعلماءَ دينيِّين يأتي بعضُ الحقوقيِّين مكوِّنًا رأيًا معيَّنًا في الطلاق أو تعدد الزوجات أو الميراث، ويعلق رأيه في اللجنة، فإذا اعتَرَض على رأيه بعضُ علماء الدين قائلين إنه غير موافق للشرع، يقولون لهم: اجتهدوا. ومعنى هذا بكل بساطة: غيِّروا الدينَ ليتفقَ مع رأينا أو افهموا النصوص الدينية في ضوء ما نقول. ومن يقول اجتَهِدوا بهذه الكيفية يَكفينا منه هذا التقولُ، إنه لا يصح أن يكون في لجنة من اللجان التي تدرس أمورًا متعلقة بالدين، وذلك أنه في مظهره وفى أقواله لا يَعبأ بالدين، ويظن أن رأيه هو الصحيح.