في لماذا اختار الله الجزيرة العربية للرسالة المحمدية؟
يقول الله ـ تعالى ـ: (إِنَّ أولَ بيتٍ وُضِعَ للناسِ لَلَّذِي ببَكَّةَ مُبارَكًا) ، وهذا البيت كان قبل إبراهيم ـ عليه السلام ـ وإبراهيم ـ عليه السلام ـ إنما رفع قواعده التي كانت موجودة من قبل: (وَإِذْ يَرْفَعُ إبراهيمُ القواعدَ من البيتِ وإسماعيلُ) .
وكما كان أول بيت للعبادة فإنه في التقدير الأزلي آخر بيت لله ـ تعالى ـ فيه العبادة على الوجه الصحيح، ولقد اختار الله ـ تعالى ـ الجزيرة العربية للرسالة المحمدية؛ لأن بها بيته هذا المحرَّم، مُلْتَقَى الحجيج من كل جانب من جوانب الأرض؛ ولأن أهلها كانوا حينئذ أحسن الناس استعدادًا لحمل رسالة الله، ولو أن الرسالة كانت في غير جزيرة العرب ما وَجَدت آذانًا صاغيةً، ولا قلوبًا واعيَةً؛ ذلك أن الروم كانوا أهل دين يَصعُب عليهم تركه إلى دين آخر، والفرس كانوا ذَوِي مُلْك وسلطان يَرَوْنَ فيهما العزة والمنْعةَ ولا يُمكن أن يَدِينوا معهما بدين آخر، من أبرز ما فيه تغيير العقيدة وتغيير الأنظمة وإزالة الطغيان الذي كان سِمَة كثير من الملوك والأمراء.
لذلك كانت الجزيرة العربية المكان الصالح لنشر الدعوة المحمدية؛ لأن أهلها كانوا بفطرتهم وعدم انتمائهم لأي دين من الأديان ـ التي كانت حينئذ ـ مهيئين لقَبُول الرسالة وحملها، ولقد رفض اليهود الإسلام في المدينة وما حولَها، وهم يعلمون تمامَ العلم صفة رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في كتابهم ولكن خوفَهم من ذهاب السلطان جعلهم يَجْحَدون.