في القانون الإلهي والقانون الوضعي:
كل حضارة لها شطران: شطر مادي، وشطر روحي، أو معنوي أو نظَرِي بَحْت. ففيما يتعلق بالشطر المادي، فهو هذا الشطر الذي يعتَمِد على الحسِّ وعلى العقل، ويعتمد على المنهج السليم، وهو منهج المُلاحَظة والتجربة والاستقراء.
وهذا الشطر يتطوَّر ويرتَقِي ويتكوَّن شيئًا فشيئًا، ويَسير دائمًا في طريق الرُّقِيِّ؛ لأن هذا الشطر من الحضارة له مِقْياس يُحْسَم به الخطأ والصواب، ويُحْسَم به الباطل من الحق، وهذا المقياس هو التجربة، فكل أمر يَختَلِف فيه العقل أو الحواسُّ التجربةُ تَحسِمه؛ لأنها خير مقياس يضم الحواسَّ ويُلزِم العقل.
ومن هنا فقد كانت الثمرة الدائمة للحضارة هي: الترقِّي الدائم، وقد وصل العالَم الآن إلى القمر؛ لأن التجربة المستمرَّة، عبر أخطاء تمَّ تلافيها أولًا بأول أوصلت الدفع الصاروخي إلى التغلُّب على العوائق التي كانت تُثِيرها الجاذبية الأرضية واختلاف طبقات الجو، من حيث الطبيعة والمناخ والتكوين.
وليس الأمر كذلك، فيما يتعلق بالشطر الروحاني أو النظري من الحضارات الإنسانية.
وأقصد بهذا الشطر النظري: العقيدة والأخلاق والتشريع ونظام المجتمع. هذا الشطر لم يصل بعدُ إلى الشأو الحاسم في الرقِيِّ الذي وصل إليه الشطر المادي وما زال فيه مستمرًّا، ربما لأن من خصائص النظريات العقلية أنها لا مقياس لها. ما هو المقياس الذي نقيس به الخطأ والصواب، فيما يتعلق بالسلوك من ناحية العقل؟ ليس هناك مقياس.
وعقليًّا، ما هو المقياس الذي نقيس به الخطأ والصواب فيما يتعلق بالعقيدة؟
وعقليًّا ما هو المقياس الذي نقيس به الخطأ والصواب فيما يتعلق بالمجتمع؟ لا شيء.