في الانحراف ودواعيه
لكن ماذا حدث عندنا في مصر؟ الذي حدث عندنا نحن في مصر أننا كنا نطبق نظام الشريعة الإسلامية ثم جاء الاستعمار ونسف الشريعة الإسلامية من القطر المصري، وأحل محلها القانون الوضعي، واستَقدَموا قضاةً ومستشارين من الأقطار العربية، ثم رُئِيَ أن هذا النظام لا يتأتَّى أن يستمرَّ كثيرًا، فأنشأوا مدرسة الحقوق، وكانت تسمى مدرسةً قبل أن تكون كليةً، فأُنشئَت مدرسة الحقوق لتخريج قضاة أو محامين أو مستشارين إلى آخره ليحكموا بالقانون الوضعي، وكان لابد أن يكون المنهج والبرامج فيها هو القانون الوضعي.
وزال الاستعمار، وحاولنا أن نتخلص من كل آثار الاستعمار، ولكننا أَلِفْنَا كليات الحقوق وأَلِفْنَا مدرسة الحقوق، فخُيِّلَ إلينا أن الأمر عادي، ولكن الأمر في حقيقته ليس بعادي، إنه غاية الغرابة أن نقيم ـ نحن ـ في بلدنا وفى قطرنا كلياتٍ للغزو الفكري لنتابع آثار الاستعمار ولنعمل على استمرار آثار الاستعمار، نُنفِقُ عليها، ونُربِّي فيها أبناءنا، ونَضَعُ أبناءَنا في جو لِيَغزوَهم هذا الجوُّ فكريًّا ليكونوا أوربيِّين أكثرَ منهم مسلمين أو أكثرَ منهم وطنيِّين، لأن الوطنية تَقتضي أيضًا أن نتخلص من الغزو الفكري ومن آثار الاستعمار، ولكننا أَلِفْنَا الأمر. ذهبتُ إلى كلية حقوق عين شمس لإلقاء محاضرة وسألت: كم عدد المحاضرات في الكلية في الأسبوع؟ فقيل: اثنتان وعشرون محاضرة. كم منها للشريعة الإسلامية؟ درسان في الأسبوع، وعشرون درسًا للقوانين الوضعية.
لو كانت هذه الكلية في فرنسا ما كانت تزيد على ذلك، أو لو كانت في إنجلترا ما كانت تزيد على ذلك. وأحب أن أقول: إنه لو كانت في إسرائيل أيضًا ما كانت تزيد على ذلك.
محاضرتان للشريعة الإسلامية في بلد إسلامي، محاضرتان فقط مقابل عشرين محاضرة لاستمرار الاستعمار، أو لاستمرار آثار الاستعمار، أو للغزو الفكري فيما يتعلق بالاستعمار.