فهرس الكتاب

الصفحة 315 من 1350

في قوله تعالى عَبَسَ وَتَوَلَّى...

أي شعر بالحرج والضيق حينما دخل عليه الأعمى وهو يدعو بعض رؤساء الكفر إلى الإسلام، فخاف أن يقطع دخول هذا الأعمى حديث الدعوة إلى الله ـ تعالى ـ ويضيع ما يمكن أن يكون قد علق بقلب هذا الكافر منه.

ولم يكن إعراضه ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الأعمى أو ضيقه به تحقيرًا له أو توهينًا لشأنه، وإنما كان تقديمًا للأهم على المهم، فجلوس رئيس من رؤساء الشرك لسماع الدعوة وتقبله لما يلقي عليه فرصة قد لا تعوَّض، وقد يسلم فيسلم بإسلامه كثيرون، أمَّا هذا الأعمى فالفرص أمامه كثيرة ولقاء الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ متيسرٌ له متى شاء.

قال ابن حزم: أما قوله تعالى: (عَبَسَ وَتَوَلَّى..) الآيات.. فإنه كان عليه السلام قد جلس إليه عظيم من عظماء قريش ورجا إسلامه، وعلم ـ عليه السلام ـ أنه لو أسلم لأسلم بإسلامه ناس كثير، أظهر الدين، وعلم أن هذا الأعمى الذي يسأله عن أشياء من أمور الدين لا يفوته وهو حاضر معه، فاشتغل عنه ـ عليه السلام ـ بما خاف فوته من عظيم الخير عمَّا لا يخاف قوته، وهذا غاية النظر في الدين والاجتهاد في نصرة القرآن، في ظاهرها الأمر ونهاية التقرب إلى الله الذي لو فعله اليوم فاعل لأجر لعاقبه الله ـ عزَّ وجلَّ ـ على ذلك، إذ كان الأولى عند الله ـ تعالى ـ أن يقبل على ذلك الأعمى الفاضل التقي.

وكأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ بهذا يوجه إلى فضل المؤمن على غيره من الكفار مهما كانت الفروق الدنيوية من المال والجاه ونحوهما، والآية الكريمة تُبَيِّن شدة حرص الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ على الدعوة إلى الله ـ سبحانه ـ وتُبَيِّنُ من جانب آخر قيمة المؤمن عند الله وفضله على غيره من أهل الشرك والضلال.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت