في الرسول يعمل كما يعمل سائر الناس
عاش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حياته الكريمة بكل ما تقتضيه هذه الحياة من حركة وسعيٍ وعمل في كل المجالات المطلوبة؛ لقد رعَى الغنمَ واشتغل بالتجارة قبل البعثة، وكان القائدَ السياسيَّ والحربيَّ للمسلمين بعد البعثة.
وتطلبت هذه الحياة العريضة التنقلَ فيما بين أرجاء الجزيرة العربية، فتَنقَّلَ فيها، بل تجاوزها إلى غيرها كبلاد الشام، واستخدم في تنقلاته وسائل الموصلات المطلوبة والميسورة في وقته وفي ظروفه، فاستعمل في ركوبه الخيلَ والإبلَ والحميرَ. وقد حَفِظَت لنا كتب السنة والسيرة أوصافًا لما كان يستخدمه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ركوبه وأسفاره، بل أسماءً لها.
ولكنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يَحتَجْ في حياته الكريمة إلى ركوب سفينة أو اجتيازِ بحرٍ، ومع ذلك فقد كان عارفًا بالبحر وبما وراء البحر، لقد سمع بعدالة ملك الحبشة النجاشي قبل الهجرة، فوجَّه أتباعَه إليه فرارًا من ظلم المشركين واستبدادهم، وركبوا البحر من شواطئ الجزيرة العربية إلى الحبشة وعادوا بعد الهجرة مجتازين له.
وبشر أمته بأن منهم من سيركب البحر مجاهدًا في سبيل الله وسيغزو مَن وراءَه. إن عدم ركوبه ـ صلى الله عليه وسلم ـ سفينةً أو نزولَه البحر أمرٌ عادي اقتضته ظروف حياته وأحوال بيئته، لا صلة له بتشريع ولا علاقة بالنبوة.
ومما يتصل بهذا المجال، حُكيَ أن بحارًا أوربيًّا قرأ فيما تُرجم من القرآن قولَه تعالى: (أو كظلماتٍ في بحرٍ لُجِّيٍّ يَغشاه موجٌ مِن فوقِه موجٌ مِن فوقِه سحابٌ ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعضٍ إذا أخرَج يدَه لم يَكَدْ يراها) فسأل: أكان هذا بحارًا يجتاز البحار وينتقل بين أرجائها؟ فقيل له بأنه لم يركب البحر في حياته، فقال: إن هذا الوصف لا يصفه بهذه الدقة والبراعة إلا من شاهد وعاش فيه. فقيل له: إن القرآن ليس من عنده إنه من عند الله. فآمَنَ وكان ذلك سببًا في إسلامه.