في تناقض الفكر البشري
أما عن ضرورة ذلك فإن كل من درس تاريخ الفكر البشري ـ منذ أن كُتب هذا الفكر في الأزمنة القديمة إلى الآن ـ كل من درسه تبين له قضية في غاية السهولة؛ هي أن هذا الفكر البشري على تتابع الأزمنة، بل في العصر الواحد وفى القرن الواحد، وفى الأمة الواحدة، هذا الفكر البشري متعارِض متضارب متناقض مختلف.
أين هو الحق فيما يتعلق بهذا التضارب؟ وهذا التعارض وهذا الاختلاف والتعارض والتضارب في جميع المجالات الفكرية البحتة!
لسنا بصدد المجالات المادية؛ لأن المجالات المادية تحكمها التجربة، فالتجربة فيصل، ولكننا بصدد المجالات النظرية: التشريع، الأخلاق، العقيدة، نظام المجتمع أين هو الحق، وأين هو الباطل في الآراء البشرية الخاصة بهذه الموضوعات.
ليس هنالك مقياس للحق والباطل، كل المقاييس التي حاولت الإنسانية أن تخترعها منذ الأزمنة القديمة، كل هذه المقاييس أثبتت فشلها وبطلانها.
من أوائل هذه المقاييس مثلا في الفصل بين الحق والباطل فيما يتعلق بالآراء النظرية، ومنها التشريع بطبيعة الحال، من أوائل هذه المقاييس (منطق أرسطو) لقد أخفَقَ إخفاقًا كاملًا في تمييز الحق عن الباطل.
ومنها مقياس (ديكارت) إنه أخفق إخفاقًا كاملًا أيضًا فيما يتعلق بالتمييز بين الحق والباطل.
هذا من جانب.
ومن جانب آخر، ما دام لا سبيل إلى القطع بأن هذا الرأي حق وهذا الرأي باطل، كان هناك المجال المتسع الكبير لتزييف الآراء أو صناعة الآراء، وفى علم الاجتماع وفى علم النفس كثير من المباحث التي تتحدث عن صناعة الرأي العام.
الرأي العام يُصنع عن طريق الصحف، ويُصنع عن طريق الإذاعة، ويُصنع عن طريق التكرار، يُصنع بوسائل مختلفة، ويُصنع تزييفًا أو إحقاقًا الرأي العام، وما دام الرأي العام يُصنع فهناك هذه الوسائل التي تَصنع الرأي العام.