في الطعام الذي يُقَدَّم بعد الموت:
الأصل في الطعام الذي يُقَدَّم بعد الموت أن يُقَدَّم لأهل الميت من غيرهم، لانشغالهم بمأتمهم وحُزْنِهم الذي يَصرِفُهم عن إعداد الطعام، وانصراف شَهِيَّتِهم عن البحث عنه، والأصل في ذلك أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال ـ حينما استشهد جعفر بن أبي طالب ـ:"اصنعوا لآل جعفرَ طعامًا؛ فإن لديهم ما يَشغَلُهم". وإذا كان الطعام المُقَدَّم لأهل الميت يَزِيد على حاجتهم فلا مانع من اشتراك غيرهم معهم فيه.
أما أن يُعِدَّ أهل الميت طعامًا ويُحَمِّلون أنفسَهم فوق همِّ المصيبة، وألم الحزن مسئولية إعداد الطعام وتهيئته للمُعَزِّين فهذا ما لم يَرِد به الشرع، بل هو ضد روح الشرع، ومُخالف لِمَقاصده ومع ذلك: فإذا أعدَّ أهل الميت طعامًا للناس فلا مانع من أكله، إذ لا حُرْمة فيه، ولا مانع يمنَع منه. وإن كان هذا التناوُل خلاف الأولى؛ لأن فيه تشجيعًا على هذه العادة ومُساهمة في انتشارها.
هذا، وقد عدَّ الصحابة التوسُّع في إعداد الطعام وتقديمه للمُعَزِّين من النِّياحة، أي المبالغة في التذكير بالميت وعدِّ محاسنه والتفاخُر بها، فعن جرير بن عبد الله البجلي قال:"كنَّا نُعِدُّ الاجتماع إلى أهل الميت وصنعة الطعام بعد دفنه من النياحة"أي: أنه نهى عنه، كما أن النياحة منهي عنها.
وأنه من الإنسانية ومن المروءة أن يُعَدَّ لأهل الميت الطعامُ لا أن يُعِدَّ أهل الميت الطعامَ للآخرين.