ومِن هنا كانت كلمةُ الإنسان التي تُطلق ـ كرَمْزٍ مُمَيَّز ـ على هذه الحضارة، ومِن هنا كان تمجيد الإنسانية.
ولكن حينما بدءوا يتحدَّثون عن الإنسان، في ثورة عَواطفهم القوية وفي غمْرة نُفورهم الشديد مِن رجال الدين، كانت كلمة الإنسانية تُوحي عند قادتهم بانفصال الإنسانية عن الإلهية، أو انفصال الإنسانية عن الكنيسة أو انفصال الإنسان عن الدين، أو بالتعبير الحديث: انفصال الدين عن الدولة.
يجب أن يكون للإنسان مكانته، يجب أن يكون له موقفه أمام الدين تجاه الألوهية، تجاه النصِّ المُقدَّس، تجاه الكنيسة، ويجب أن يخضع كل ذلك للإنسان.
فالإنسان له عَقْله له مَنطقه، ويجب أن يسير بهذا العقل، وبهذا التفكير وبهذا المَنْطق.
وتَصوروا جماعةً مِن الجماعات، كانت السيوفُ مُصْلَتَةً عليها مِن جميع النواحي، ثُم انْفَجَرَتْ هذه الجماعة فقَضتْ على السلاح المُوجَّه إلى نَحْرِهَا، ماذا يكون تفكيرها بالنسبة لهذا السلاح، وبالنسبة لحامِليه. بالنسبة لهذا المصدر الذي كان سببًا للكبْتِ، إنَّ تفكيرها في أهدأ حالاته يكون مُعارِضًا مُنتقِدًا، ومُتَحَمِّسًا في مُعارضته، وفي انتقاده ولكن يشعر أحيانًا بشعور السَّفَّاك النَّهِم لإسالة الدماء.
هكذا كان الأمر في بدْء الحضارة الحديثة، لقد أراد زعماؤها، أن يتخلَّصوا مِن الدين ومِن رجال الدين، لتحتلَّ الإنسانية مكانتها بدون مُعارضة لها أو كبْتٍ أو تَنْكيلٍ.
وحينما أقول:"الإنسانية"، يختلط الأمر نوعًا ما؛ إذْ إن معنى هذه الكلمة اكتُسب مِن الدماء التي نزلت بالإنسانية في كثير مِن فترات التاريخ نوعًا مِن التقديس وكثيرًا مِن التمجيد والعطف، ولذلك فإنِّي دون إخلال بالمعنى سأستعمل كلمة البشرية، وإذا استَعملتُ كلمة البشرية، كان المعنى الذي أُريدُه أدقَّ فيما يتعلق بصِلة الثورة الأوربية، أو الحضارة الأوربية في بدْء نشأتها وفي ثورتها ضدَّ رجال الكنيسة.