ومن الأحاديث ذات المغزى العميق في هذا ما رواه الإمام مسلم عن أبي فراس الأسلمي خادم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن أهل الصفَّة ـ رضي الله عنه ـ قال: كنتُ أبيتُ مع رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فآتِيه بوضوئه وحاجته، فقال: سَلْني.
فقلتُ: أسألُك مُرافَقَتَك في الجنة.
فقالَ: أوَ غير ذلك.
فقلتُ: هو ذاك.
قال: أعِنِّي على نفسك بكثرة السجود.
والسجود ـ إذن ـ تعبير عن التضامُن لله، سبحانه، وعن الخشية والخضوع، وهو من أجل ذلك سبيل إلى الجنة، فما دام الإنسان يخشى الله فإنه يقوم بالواجبات والفروض، وينتهي عما نهى الله عنه، وتلك هي العبادة، وهي التقوى، وذلك هو معنى العبودية التي أمر الله ـ سبحانه وتعالى ـ بها كثيرًا في القرآن وأمر بها في الآية التي نحن بصددها فقال: (واعبُدُوا ربَّكُمْ) .
وإذا ما خشي الإنسان ربه فإنه لا محالة فاعل للخير؛ وذلك أن التزام أوامر الله واجتناب نواهيه هو الخير كل الخير.
فإذا ما حقَّق الإنسان السجود لله بمعناه الصحيح ـ مقدماته ونتائجه ـ فقد حقق سلوك طريق فلاح في الدنيا، وسلوك طريق الفلاح فيما يتعلق بالآخرة.
أما في الدنيا فإن الله ـ سبحانه ـ قد تكفَّل بمَن سجد له متمثلًا العبودية، يقول ـ سبحانه ـ: (ألَيْسَ اللهُ بكافٍ عبدَه) .
ويقول: (ومَن يَتَّقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقْهُ مِنْ حيثُ لا يحتَسِبُ ومَنْ يتوكَّلْ على الله فهو حسبُهُ) .
ويقول ـ تعالى ـ في عموم وشمول عن الذين آمنوا وكانوا يتقون: (ألَا إنَّ أولِيَاءَ الله لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنُونَ. الذينَ آمنُوا وكانُوا يتَّقونَ. لهم البُشْرَى في الحياةِ الدنيا وفي الآخرةِ لا تبديلَ لكَلِمَاتِ اللهِ ذلكَ هو الفوزُ العظيمُ) .