قال ـ تعالى: (واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِجَالِكُمْ فإِنْ لمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وامرأتانِ ممَّنْ تَرْضَوْنَ مِن الشهداءِ أنْ تَضِلَّ إحْداهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْداهمَا الأُخْرَى) .
الأمر الثاني: في التعليل لهذا الحُكم أمرٌ كسْبي، وليس فِطْرِيًّا والشأن أن يقوم به الرجال، وهو قوله ـ تعالى: (وبمَا أنْفَقُوا مِن أمْوَالِهِمْ) . قال مجاهد: إنه المهر، ويجوز أن يُراد به ما يعمُّ المهر والإنفاق عليهن، فالرجال هم الذين يدفعون المُهور للنساء، وهم الذين يجب عليهم الإنفاق عليهن حتى ولو كُنَّ غنيَّاتٍ بمَالهنَّ الخاصِّ بهنَّ.
ثم بيَّنت الآية بعد ذلك المنهج الذي يَسلُكه الرجالُ إذا نشزَتِ المرأة، وخرجت على طاعته مِن وَعْظٍ وهجْرٍ في المَضاجع وضرْبٍ غير مُبْرِحٍ، فإذا أطاعت واستقامَ أمرها فلا سبيلَ لبَغْيِ الرجل عليها أو طلاقه لها، (واللاتِي تَخافونَ نُشوزَهُنَّ فعِظُوهُنَّ واهْجُرُوهُنَّ فِي المَضاجِعِ واضْرَبُوهُنَّ فإِنْ أَطَعْنَكُمْ فلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا) .
ولعلَّه مِن المُفيد أن نُبيِّن سبب نزول هذه الآية ليتبيَّن للناس مدَى عناية شرْع الله ـ تعالى ـ بأمور الأسرة وما يُصلح شأنها، يقول الآلوسي: الآية كما رُوي عن مُقاتل: نزلت في سعد بن الربيع بن عمرو، وكان من النُّقباء وفي امرأته حبيبة بنت زيد بن زهير؛ وذلك أنها نشزت عليه فلَطَمَها.
فانطلق أبوها معها إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال: أَفْرَشْتُهُ كريمتي فلَطَمَها. فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لِتَقْتَصَّ مِن زوجها. فانصرفت مع أبيها لتقتصَّ منه، فقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم: ارجعوا، هذا جبريلُ ـ عليه السلام:"أتاني"وأنزل الله هذه الآية: (الرجال قوَّامونَ على النِّساء..) الخ.