وهذا المعنى تُرَدِّده الأحاديث النبوية الشريفة حاثَّةً عليه، مُوجِبَة له، جاعلةً الحج المبرور مُتَرَتِّبًا على تحقيقه، يقول رسول الله ـ فيما رواه الإمام عبد بن حميد بسنده، عن جابر بن عبد الله ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"مَن قضى نُسُكَه، وسَلِم المسلمون من لسانه ويده غُفِر له ما تَقَدَّم من ذنبه". وروى الشيخان وغيرُهما بسندهما عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال:"مَن حجَّ فلم يَرْفُث ولم يَفْسُق، رجَع من ذنوبه كيومَ ولدتْه أمُّه". وأحسن تفسير للرفَث قالَه الحافِظ المنذري من أن الرفَث يُطلَق، ويُراد به الجِماع، ويُطلق ويُراد به الفُحْش، ويُطلَق ويُراد به خطاب الرجل المرأةَ فيما يتعلق بالجماع، وما من شك في أن المُراد في هذه الآية الكريمة كل هذه المعاني، أما الفسوق فإنه المعاصي؛ فعن ابن عمر ـ رضي الله عنهما ـ أن الفُسوق هو: ما أصيب من المعاصي، صيدًا أو غيره، ومنه السِّباب؛ فقد ثبت في الصحيح قوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"سِباب المسلم فُسوق، وقِتَالُه كُفْر".
أما الجدال فهو الأمر الثالث المنهِيُّ عنه في الحج، وهو بمعنى المِراء والمُلاحاة والنِّزاع اللساني الذي يُغضب ويسيء، يقول ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: إنه المراء والملاحاة حتى تُغضِب أخاك وصاحبَك، فنهى الله عن ذلك.
ولا يتأتَّى في الأوضاع السليمة أن ينتهي الإنسان عن معاصي اللسان والقلب والجوارح إلا إذا بدأ أعمال الحج بالتوبة الخالِصة النَّصوح، التوبة التي لا تَرَدُّد فيها ولا فُتور، التوبة العازمة التي تُفْتَح لها أبواب السماء، والتي تُغَيِّر من اتجاه الإنسان ومن سلوكه فيُصبح بعدها من المُصْطَفَيْنَ الأخيار.