فهرس الكتاب

الصفحة 569 من 1350

فقد أمر الله بالصوم بعد أن ذكر أن هذا الشهر الكريم نزلت فيه الهداية الكاملة مُمَثَّلةً في القرآن، فكان لابد أن نَحتَفِل به، والاحتفال بشيء ما إنما يكون بما يُناسبه، فالاحتفال بالهداية مُمَثَّلةً في القرآن إنما يكون بما يُعِدُّ النفس ويُمَهِّدها لاستقبال هذه الهداية على خير ما ينبغي، وذلك هو الصوم فكأنَّنا بالصوم إيمانًا واحتسابًا نَصِل إلى مُستَويات من شفَافِيَة النفس، وتطهيرها وتَزْكِيَتها، فتَتَنَسَّم هدْيَ السماء وتَتَشَرَّبه وتَمتَزِج به فَرِحةً مُغْتَبِطَة، فنفهم في عُمق قول الله ـ تعالى ـ: (اليومَ أكملتُ لكمْ دينَكم وأتمَمْتُ عليكم نِعمتِي ورَضِيتُ لكمُ الإسلامَ دينًا) .

وأما الحكمة الثالثة: لفرض الصيام فإننا نَلْتَمِسُها في قوله ـ تعالى ـ مختتمًا بعض آيات الصوم: (وَلِتُكَبِّروا اللهَ على ما هداكُم ولعلَّكم تَشكُرُونَ) .

فقد فُرِض الصوم لِنَنْتَهِي منه ونحن في رحاب الله مُغْتَبِطين مُسْتَبْشِرِين قد تَزَكَّت عنَّا النفوس وتطهَّرت منَّا الأفئدة فيترتَّب على ذلك أن نُكَبِّر الله ونَحْمَدُه على هدايته السماوية أولًا، وعلى توفيقه لنا بإتمام الصوم ثانيًا، ونشكره على كل ذلك فيَزِيدُنا ـ سبحانه ـ بهذا الشكر هدايةً وتوفيقًا: (لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) .

ومما له مغزاه العميق أنه في ثنايا هذه الآيات الكريمة التي تتحدث عن الصوم وتُوَجِّهنا إلى التقوى وإلى تكبير الله وإلى الشكر يُخاطب الله رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول: (وَإِذَا سألكَ عِبادِي عنِّي فَإِنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعانِ فلْيَسْتَجِيبوا لي وليؤمنوا بي لعلَّهم يَرْشُدونَ) .

ولا ريب أن النفوس التي صامت إيمانًا واحتسابًا وتَزَكَّت وتَطَهَّرت والتزمت التقوى وكبَّرت الله وشكرتْه إنما هي نفوس قريبة من الله، إذا دعتْه استجاب، وإذا استلهمتْه الرُّشْد والصواب أُلْهِمَ واستهدتْه هُدِي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت