إن الذي أخلد إلى الأرض مهما بسَط الله له في الرزق فهو ضيِّق بحياته؛ لأنه لا يطمئن إلى شيء رُوحي يُقنعه، والمادة ـ مهما أُوتِيَ الإنسان منها ـ فإنها ـ ما دام الإنسان جشِعًا ـ لا تنتهي إلى إرضائه، لو كان لابن آدم وادٍ من ذهب لطلَب ثانيًا، ولو كان له واديانِ لطلب ثالثًا. وإذا ضيَّق الله عليه في الرزق فإنه يلهث، وذلك واضح.
ومَن آثَر اتِّباعَ الهوَى فإنَّه لا يَعتمد على هادٍ يُطمئنه ولا اطمئنانَ يَسْكُنه وهو ضيِّق بالحياة ذرْعًا؛ لأن هواه لا تَحُدُّهُ حدود؛ ولأن خياله لا يَكبح جِماحَه مبدأٌ، ولا خُلقٌ كريم، ولا مَثَلٌ أعلَى ثابت، فمثَله كمثَل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركْه يلهث.
وهذا المثَل إنما مثل الذين كذَّبوا بآيات الله وقد أنزله ـ تعالى ـ ليتفكَّر فيه الناس وليتَّعِظوا به ولعلَّه يقود إلى الهداية والرشاد هؤلاء الذين انْحَرفوا عنها..