فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 1350

أمَّا أُولَى مسائل المُتشابه التي نُريد أن نتحدث بتوفيق الله ـ تعالى ـ عن شيء مِن تاريخها فهي مسألة القدَر.

لقد شَغلت مسألة القدَر، أو الجبْر والاختيار، أو أفعال العباد، عقول الإنسانية منذ أن كان الدِّين، أيْ منذُ ابتداء الإنسان على ظهر الكرة الأرضية.

وإذا أُثِيرت مسألة القدَر في أيِّ وسط كان، مهما كان قليل العدد فإنها تَقْسِمه إلى قسمينِ: يقول أحدهما بالجبر، والآخر يقول بالاختيار.

لقد أثارها اليهود في دِينهم ففرَّقت بينهم، وقال بعضهم بالجبر، وقال الآخرون بالاختيار. وأُثِيرتْ في الدِّيانة النصرانية على مجرى التاريخ فكان النزاع والجدَل وكان التحيُّز لرأي والتعصُّب له، وانقسم رجال المسيحية إلى فريقينِ يَختصمانِ، وأراد رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ أن يتلافَى انشقاق الأمة بسبب إثارة هذه المُشكلة، فكان ينهى دائمًا عن إثارتها وعن الجدال فيها، رَوى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جَدِّه قال:"خرج رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على أصحابه ذات يوم، وهم يتراجعون في القدَر، فخرج مُغضِبًا حتى وَقَف عليهم، فقال: يا قوم: بهذا ضَلَّتْ الأمَمُ قبلكم، باختلافهم على أنبيائكم، وضرْبهم الكِتابَ بعضُه ببعض، وإنَّ القرآن الكريم لم ينزل لتضربوا بعضَه ببعضٍ، ولكن نزل القرآنُ فصدَّق بعضُه بعضًا، ما عرفتم منه فاعْمَلُوا به، وما تَشابَهَ فآمِنُوا به".

وعن أبي هريرة قال: خرج علينا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ونحن نتنازع في القدَر، فغضب حتى احمرَّ وَجْهُه، ثم قال: أبِهذا أُمِرْتُمْ، أم بهذا أُرسلتُ إليكم، إنما هلك مَن كان قبلكم حين تنازَعوا في هذا الأمر، عزمتُ عليكم ألاَّ تَنازَعُوا"."

واتَّخذ رسول الله ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ موقفًا حاسمًا حازمًا بالنسبة لمنْع الخلاف في هذه المسألة أو حتى مُجرد إثارتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت